HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة








ذنوب اليوسفي خرجو في أزمة تشكيل الحكومة


محمد الحجام
الخميس 16 مارس 2017




ذنوب اليوسفي خرجو في أزمة تشكيل الحكومة




مهما يكن شكل الحل أو المخرج الذي ستكون عليه الحكومة المكلف دستوريا بتشكيلها بنكيران واخنوش المكلف بتشكيلها فعليا، يبقى الأكيد أن الأمور لا تجري وفق قواعد الدستور الفارغة من التنصيص عن الحل في الحالة الحالية لما يسمى بالبلوكاج، وفي العمق تعكس الوضعية السياسية الراهنة، وضعا جديدا بالمغرب يمكن تسميته بكون النظام الانتخابي المغربي المبني على الأغلبية النسبية، كألية للحيلولة دون وصول أي مكون حزبي للأغلبية المطلقة، لم يعد مجديا، رغم كل ما بذل منذ الاستقلال إلى الأن مرورا بسنوات الرصاص من أجل أرساء أسس للمخزن ومأسسته وممانعته ضد تحويل الملكية إلى برلمانية تسود ولا تحكم، مما أصبح يستوجب التفكير في ألية إشراكية بعد فشل ألية الإقصاء والإشراك في التسيير دون التقرير، سواء في مرحلة القمع المادي والجسدي أو في مرحلة تحويل الأحزاب إلى ملحقات إدارية للمخزن، حتى انتقل الصراع إلى داخل مكونات الخدم المخزني المتنافسة على حيازة الشرعية والأهلية من عدمها في خدمة النمط المخزني للسلطة وليس الأفق الديمقراطي، وضمن النقاش الهادئ والعلمي لوضع المغرب الحالي والذي وجب توسيعه من طرف المثقفين التقدميين والوطنيين، يتضح كما حللت الدكتورة رقية المصدق في مقالها حول الأحزاب واستنفاذ المراهنة الملكية على مهام الأغلبية النسبية، والمعطي منجيب كذلك بالإضافة إلى مضمون حوار العدل والإحسان والنهج وحركة 20 فبراير، ليجمع الكل على أن المراهنة على تشرذم أحزاب الحركة الوطنية كانت تسير جنبا إلى جنب مع تعويمها في الأحزاب الإدارية، وذلك تفاديا لشبح الأغلبية المطلقة الذي كانت تمثله. وبصرف النظر عما آلت إليه هذه مبادرة التناوب الملكية الثانية خارج صناديق الاقتراع، التي عرفت مقاومة الاحتفاظ بإدريس البصري وزيرا للداخلية، فإن حكومة عبد الرحمان اليوسفي، رغم أنها كانت مسبوقة بتعديل الدستور وبانتخابات تشريعية مباشرة وغير مباشرة (نونبر ودجنبر 1997)، كانت تشكل من حيث بنيتها السياسية تجسيدا لهذا الطرح الملكي الثاني لتناوب خارج صناديق الاقتراع.

وعلى الرغم من تعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أول، فقد ظلت فكرة التناوب لصالح أحزاب الحركة الوطنية وحدها، والتي تقوم على أحقية هذه الأخيرة بالفوز بالأغلبية المطلقة، حاضرة لديها على امتداد الولاية التشريعية التي ستعرف نهايتها بعد انتخابات مجلس النواب لسنة 2002. من هنا اعتبرت «التناوب توافقيا»، على أساس أنه خطوة لتحقيق «التناوب الحقيقي» أو «التناوب الفعلي» أو «التناوب الديمقراطي»، وذلك وفق ما اصطلحت عليه في أدبياتها السياسية آنذاك، وبالمعنى الذي يفيد، أولا، بأنه سينبثق في أعينها عن صناديق الاقتراع، وثانيا بأن التناوب هو لصالح أحزاب الحركة الوطنية وحدها.

فاقت نتائج المراهنة على الأغلبية النسبية سواء بالنسبة لأحزاب الحركة الوطنية مجتمعة، أم بالنسبة لكل واحد منها، من جهة، وعلى تشرذم أحزاب الحركة الوطنية، من جهة أخرى، كل التوقعات، بما فيها توقعات الملكية. فامتداد المشاركة البرلمانية إلى المشاركة في المؤسسة الحكومية لم يكن ليعضدها بل أنهكها، ناهيك عن أن حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي عرفناها سنة 1998 تشكلت عندما بدأ المد الوحدوي بين أحزاب الحركة الوطنية يتراجع إلى أن تهاوت تطلعاتها إلى الأغلبية المطلقة، عقب الانتخابات التشريعية المباشرة لسنة 2002، ليستقر التنازع بين المكونين الأساسيين لها حول من منها يملك الأغلبية النسبية لتشكيل الحكومة.

إن هذا التنازع وجد تعبيره في خطاب المنهجية الديمقراطية، التي بدأت تتسلل إلى أدبياتها السياسية، والتي يتعين –حسبها- الاحتكام إليها لتعيين الوزير الأول، حيث لم تكن إلا تسليما بمراهنة كل منها على الأغلبية النسبية لتشكيل الحكومة. واتخذ تطبيع كل منهما مع الأحزاب الإدارية منعطفا آخر، إذ أن تحالف المكونين الأساسيين لها لدواعي توفير الأغلبية المطلقة داخل البرلمان، قبل تعيين إدريس جطو وزيرا أول، وجد مبرره المباشر -في أعينها- في أنها كلها أصبحت وطنية لأن الانتخابات كانت نزيهة! كل هذا كان حاسما في أفول مراهنة أحزاب الحركة الوطنية على الأغلبية المطلقة لعقود عدة، وانتصار مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية.

إن نتائج ومخلفات صراعات سياسية كهذه، وممارسة سياسية كالتي أفضت إلى اندحار أحزاب الحركة الوطنية وقبولها بأمر أصبح واقعا، هي التي تجعلنا ندرك الأبعاد التي عرفها التطبيع مع الأحزاب الإدارية خلال الولاية التشريعية السابقة، حيث وجدت تعبيرها في المذكرات المشتركة التي تواترت خلالها، وتأرجح المفاوضات الحالية من أجل تشكيل الحكومة بين إحياء الكتلة الديمقراطية وبين الركون إلى الأحزاب الإدارية، انتهاء بانتخاب رئيس مجلس النواب من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وإن أصابت مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية هدفها بالنسبة إلى أحزاب الحركة الوطنية، والمتمثل في استبعاد شبح الأغلبية المطلقة، فإن اغتناء الانخراط في الخط الانتخابي بـ«زبناء» جدد من «الصف الإسلامي» في النصف الثاني من التسعينات، بموازاة بدايات خفوت الهالة التي كانت تمثلها أحزاب الحركة الوطنية، والتي رافقت امتداد مشاركتها في الانتخابات إلى الحكومة، غدا محفوفا بجملة من الإشكالات.

فتحقيق هدف مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية لمواجهة أحزاب الحركة الوطنية اتخذ أبعادا إلى درجة أنه يغيب عن أذهاننا أن المغرب قفز على مرحلة أساسية من تطوره السياسي والدستوري كان من الممكن أن يكون فيها التناوب لصالح أحزاب الحركة الوطنية وحدها. أكثر من ذلك، إننا نتساءل فيما إذا طالت هذه الأبعاد الفكرة في حد ذاتها بالنزوع -بصفة واعية أو غير واعية- إلى تقليمها من الذاكرة السياسية، وهو ما يندرج في إعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية بالشكل الذي يغبنها. أليس النزوع إلى ذلك هو ما تنطوي عليه افتتاحية الاتحاد الاشتراكي بعد تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة، حيث كان عنوانها «التناوب الثاني»؟ هل كان يراد لنا أن ننسى كل الاحتياطات التي تم اتخاذها آنذاك من طرف أحزاب الحركة الوطنية، بما فيها الاتحاد الاشتراكي، لنصب المسافة بين ما يمثله تعيين عبد الرحمان اليوسفي وبين «التناوب الديمقراطي» أو «التناوب الحقيقي»؟

إن الورطة الحالية الناجمة عن الانسداد الذي يعرفه تشكيل الحكومة تبدو وكأنها ورطة رئيس الحكومة وحده، الذي لا ننكر أنه يتحمل فيها نصيبا لا يستهان به من المسؤولية، خصوصا طريقة تدبيره المفاوضات. بيد أنه يمكن القول إن الأمر كذلك ولكن فقط بصفة مباشرة، إن لم نقل في جوانبه المرئية. إنها ورطة تنطلق من كونها ورطة كل الفاعلين السياسيين لنستكين إلى أنها فوق كل ذلك متعددة الأبعاد. فمن دون شك أن مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية، التي تبدو وكأنها استنفدت مهامها، توجد في قلب هذه الأبعاد. بالفعل إن هذه المراهنة تطورت -سابقا- إلى أن أصبحت أداة طيعة موجهة أساسا لمقاومة نفوذ أحزاب الحركة الوطنية، وتحجيم قوتها إلى أن آلت إلى ما نعرفه الآن، ولم يبق منها إلا شعلة الأمل كما انبعثت من أجنحة اليسار الاشتراكي الموحد. بيد أنها -أقصد مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية- أصبحت تبدو وكأنها ستصبح عصية على التطويع في مواجهة نتائج الآلة الانتخابية التي أضحى يمثلها حزب العدالة والتنمية، إذ يشكل جناحه الدعوي، المتمثل في حركة التوحيد والإصلاح، الوجه الآخر لها. هذا الحزب الذي لم ينهكه امتداد مشاركته في الانتخابات -التي ابتدأت بصفة محتشمة إبان التسعينات لتتأكد مع الألفية الثالثة- إلى الحكومة، انطلاقا من رئاستها، أو ردود الفعل إزاء السياسة التي نهجها وهو في الموقع الحكومي، حيث أصبحت «نبوءة» التصويت العقابي في مهب الريح.

هل نحن، إذن، أمام انسداد آفاق المراهنة على الأغلبية النسبية كما توختها الملكية، حيث سلوك التطويع كان يؤتي أكله - ولو بعد صراعات مريرة- في مواجهة واقع متعدد المكونات، والمتمثل في أحزاب الحركة الوطنية؟ هل تبقى مواجهة الواقع متعدد المكونات أرحم من مكون واحد يؤهله موقعه لجني ثمار نضال غريب عنه دام عدة عقود من أجل إقرار النزاهة الانتخابية، حتى وإن كانت لا ترتقي حاليا إلى أن تكون مطلقة؟

قد نضع هذه الأسئلة جانبا على أساس أن الكل -أقصد كل الفاعلين السياسيين بما فيهم الملكية- يتساوى في مراهنته على الأغلبية النسبية. وقد نعتبر أن الورطة الناجمة عن الانسداد الذي يعرفه تشكيل الحكومة - بصرف النظر عن أبعادها السياسية- لها امتدادات دستورية، أو هي دستورية بالأساس، لأنها تجد أساسها في النص الدستوري الذي عكف على وضع بدائل في حال فشل رئيس الحكومة في عقد التحالفات الضرورية لتشكيل الحكومة. مما لا شك فيه أن تضمين مقترحات كالتي احتوتها مذكرة حزب الاستقلال كان من الممكن أن يملأ الفراغ، وكان وضع مشروع الدستور سيتأخر إلى أن تتم مناقشة جدوى تلك المقترحات، ومن ضمنها: «عدم تمكن الوزير الأول المكلف من تشكيل الحكومة في أجل أقصاه شهر يفسح المجال لتعيين آخر من الحزب الذي يليه (…)»

بيد أنه مهما كان من أمر كل التخمينات وجدواها، وحتى ولو عرفت الانتخابات فوز حزب آخر كالأصالة والمعاصرة، فربما كانت الإشكالات التي تطرحها مراهنة الملكية على الأغلبية النسبية ستتراجع، لكن هذا التراجع لا يعني أنها لن تظل قائمة. إنها ستظل كذلك ولو بصيغة أخرى، وربما أن الأجوبة عن هذه التساؤلات يستلزم فتح نقاش مع العدالة والتنمية حول دلالات انخراطه في الخط الانتخابي. قد يتأتى ذلك بعد نهاية هذه «الزوبعة» الصامتة.

ومهما يكن فان الازمة تعكس صرخة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي باغتيال الديمقراطية والخروج عن المنهجية الديمقراطية، أيام سحب من تحته البساط في انتخابات 2002 وعين بدله ادريس جطو.

اليست هذه الحالة نتيجة اداء ذنوب ما وقع لليوسفي وللمغرب في شخصه.

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الجمعة 17 نونبر 2017 - 18:55 عيد الاستقلال

الاربعاء 15 نونبر 2017 - 14:22 مقاومات في الذاكرة

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير