HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة








حَـمَّـــار الخيمـــة


محمد الحجام
الاثنين 19 فبراير 2018




حَـمَّـــار الخيمـــة






أولت مختلف مدارس علوم الاجتماع البشري والحركات السياسية والاجتماعية، اهتماما ومكانة مفصلية لمفهوم الطبقة الوسطى، سواء في التغيير أو عرقلته، أو في الاستقرار والتقدم أو التخلف والتراجع.


فما هي هذه الطبقة الوسطى؟ وما سر امتلاكها لهذه المكانة؟


الطبقة الوسطى تضم شرائح صغرى ومتوسطة وكبرى من الموظفين والأطر والمهندسين والأطباء والمحامون والأساتذة وأرباب المقاولات والمهن الحرة والتجارية الصغرى والمتوسطة.


وتجمع مختلف المقاربات والتحاليل أن وضعية هذه الطبقة كما وكيفا، يعكس وضعية المجتمع ككل واستشراف مستقبله، لأن هذه الطبقة تنحدر أصلا من الطبقات والفئات الشعبية وترتبط بها ارتباطا بنيويا، فإذا كانت الأولى ميسورة المعاش والحال والقدرة على التطور والاذخار، تكون الفئات الشعبية في وضع أقرب وتتمتع بخدمات أجود، كما أن الطبقة الوسطى في سعيها الدائم لتطوير وتحسين أوضاعها، تكون دائما في موقع مواجهة الفئة أو الشريحة المهيمنة التي تسعى هي الأخرى للسيطرة بل للهيمنة على كل الخيرات، لذا نجد الفئة المهيمنة في أغلب المجتمعات توصف بالتوحش والاستبداد والاستعباد، والطبقة الوسطى توصف بالتقدمية والسعي للتطور العلمي وتقدم المشروع التنموي المجتمعي، ومادامت النخبة المفكرة والمبدعة والمسيرة تنتج منها، فإن هذه الطبقة الوسط تشكل ضمانة أساسية للاستقرار والتقدم، والعكس صحيح، خصوصا وأن زمن العولمة حمل معه ضربات قاتلة لهذه الطبقة لصالح توسيع مصالح الفئة المهيمنة العليا وإحكام قبضتها الاستبدادية عالميا، مما انعكس سلبا على باقي المجتمعات وأوضاعها الاجتماعية والأمنية، بل وسيادتها الوطنية، حيث أصبحت العوامل الخارجية ذات تأثير يساوي أو يتجاوز العوامل الداخلية في رسم الحاضر والمستقبل.


في نظرة خاطفة ووجيزة لمجتمعنا المغربي، يتضح بشكل جلي التراجع والتآكل السريع للطبقة الوسطى، كما وكيفا، حيث تقلص عددها وضاق عيشها، فالموظفون وأسر التعليم والأطباء والمهندسون والمقاولون والمهنيون والتجار الصغار والمتوسطون، حتى حدود الثمانينات، كانوا أفضل حال مما هم عليه الآن، بل هناك عائلات كانا الأبوين معا فيها من الطبقة الوسطى وربوا أبنائهم في ظروف ميسورة وتعليم جامعي عالي، فكان المصير بطالة الأبناء وتبلتر العائلة بعد وفاة الوالدين، وكلنا يتذكر الوضع الاجتماعي والهيبة والمكانة التي كان فيها الطبيب والمهندس والمحامي والمعلم، حيث السكن اللائق والعيش واللباس والسيارة وقضاء العطل بالخارج والقدرة على الادخار، بالإضافة إلى استفادة المحيط الأسري الشعبي القريب منهم، وكيف أصبحت الوضعية حاليا، صعوبة امتلاك سكن وصعوبة تعليم الأبناء التي أصبحت تتطلب تكاليف عالية، كذلك الصحة والشغل، فما بالك بالادخار.


إذا كانت هذه ملامح وضعية الطبقة الوسطى، فإن وضعية الفئات الشعبية العريضة والممتدة أفقيا، قد أصبحت محرومة إزاء مجموعة من الخدمات العامة، التي تعتبر حقوقا أساسية في الحياة، مثل الصحة للمريض والمدرسة للأطفال والعدل للمظلومين والشغل للبالغين وليس ذوي الشواهد فقط، حيث يسجل سنويا تراكم مئات الآلاف.


وعلى مستوى الخطاب والفعل السياسي أصبحت جل البرامج الحزبية تغلب المقاربة الأفقية وأسقطت المقاربة العمودية، وكأن مهمة بناء الدولة الديمقراطية قد أنجزت، مما جعل هذا الخطاب لا يستوعب إلا حوالي 20 % من الناخبين، في حين الباقي طلقوا أحزابهم وفي نفس الوقت لا يدينون بالولاء للتدبير المخزني للدولة التي لا توفر الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للحياة وكرامتها، وهو ما يمثله بشكل ساطع وقوي ويومي، احتجاجات ومسيرات القرى والمدن المطالبة بالماء الشروب والتعليم والصحة والشغل والطريق والكهرباء، إنه الحراك الاجتماعي الذي يعكس المغرب العميق والواسع الذي أصبح في وضعية قطيعة اجتماعية مع أقلية مهيمنة وتدهور وضعية الطبقة الوسطى التي تشكل التوازن واللحمة المجتمعية.


إن التغني بنعمة الاستقرار الأمني المجمع على نعمته، يستدعي الحرص على استمراره، لأن الخدمات الاجتماعية الأساسية هي القاعدة وخزان وقود استمرار الاستقرار الأمني، كما أن الطبقة الوسطى هي (حَمَّار الخيمة) حسب التعبير الزراعي، والخيمة في التعبير الأدبي والاجتماعي هي الدار/ العائلة/ الوطن، فإن وهن سندها نزلت، ولا يجب أن نقارن أنفسنا ببعض مجتمعات الحروب والتمزق العربية، بل علينا أن نقارن أنفسنا بمجتمعات تملك أقل من ثروات المغرب وتحتل مراتب أعلى في التنمية، بل وكذلك يجب أن نقارن حاضرنا بماضينا الإمبراطوري المرابطي والموحدي والمريني، ولنرفع راية حماية البلاد والعباد من الفساد عالية، لأن الوطن أمانة وفي عنق الجميع ومن مختلف المواقع.

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الخميس 14 يونيو 2018 - 00:50 صحافة المعلومات وصحافة الفضائح...!!!

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير