HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة








عبدالخالق عبدالله يكتب لـCNN في وداع جمال خاشقجي: شعلة الحرية لن تنطفئ بغياب بطل من أبطالها


عبدالخالق عبدالله
الاحد 21 أكتوبر 2018




عبدالخالق عبدالله يكتب لـCNN في وداع جمال خاشقجي: شعلة الحرية لن تنطفئ بغياب بطل من أبطالها
رحم الله صديق درب الحرية جمال خاشقجي وغفر له وأسكنه فسيح جناته.
هذا يوم حزين ومن أكثر الأيام حزناً ليس لي شخصياً، وليس لمن عرفه عن قرب، وليس لأسرته الصغيرة والكبيرة، بل هو يوم حزين لأحرار العالم، ولصاحب كل قلم حر، ولكل من يتقدّم بشجاعة لقول كلمة الحق، ولكل من قرّر أن يخوض معركة الحرية، ويدفع ثمن الدفاع عن الحرية، التي أصبحت يتيمة وحزينة اليوم بوفاة جمال خاشقجي. العزاء للحرية ولكل أحرار العالم.
لكن لن يطول حزن ويتم الحرية، فمعركة الحرية مستمرة ولن تتوقف في أي وقت من الأوقات. ففي مقابل غياب جمال هناك ألف جمال سيستمرون في حمل شعلة الحرية. شعلة الحرية لا يمكن ان تنطفئ بغياب بطل من أبطالها وبوفاة عاشق من عشاقها وقتل رائد من روّادها، حتى عندما لا يكون حمل شعلة الحرية الحارقة ممكناً، ومكلفاً كما هو في الواقع العربي. يكفي أنه بعد أن غاب جمال، هناك ألف جمال عربي سيستمرون في حمل شمعة الحرية لتضيئ درب البشرية التواقة للإنعتاق من قيود الظلم والاستغلال والاستعباد والتسلط. إكراما لجمال لا يجب إسقاط شعلة الحرية من يد أحرار العرب.
نَم مطمئنا يا صديق درب الحرية إن شمعة الحرية باقية، وإن مسيرة الحرية مستمرة ولن تتوقف بل ستجد اليوم في جريمة قتلك النكراء المزيد من الإصرار على حمل شمعة وشعلة الحرية جنباً إلى جنب.
لم أكن أتخيّل أنه بعد 3 أشهر من اللقاء بجمال في المقهى المفضل لديه في منطقة "جورج تاون" في العاصمة الأمريكية واشنطن، أنني لن ألتقي به مرة أخرى وأنني لن أتحاور معه من جديد في الفضاء الافتراضي "تويتر" من جديد، وأننا لن نرسل لبعضنا عبر الخاص النصائح والانتقادات التي كانت تتم بعيداً عن الرقيب وبعيداً عن الجمهور. لا يمكن أن أتخيّل أن آخر نص بتاريخ 11/8/2018 يقول فيه جمال بالحرف الواحد:
"الذباب الإلكتروني يستفزك ويجرك لتعليقات لا تليق بك، تويتر اليوم غير حقيقي، أنصار هذا الفريق يكيل ويشتم الفريق الآخر، لذلك الأفضل لنا أن لا ننجرّ إلى سفههم، أنا فعلت ذلك وأنصحك أن تفعل مثلي. استمتع بصيفك."
وفي آخر رسالة "تويترية" كتبها جمال جاءت بعد جدل عميق معه قال فيها: "لقد تعبت من هذا الحوار، وهناك في الحياة ما هو أهم يا صاحبي."
قد يهمك أيضا: إليكم كل ما أعلنته السعودية ليلا عن "وفاة" خاشقجي وأوامر الملك سلمان
أين أنت اليوم يا صديقي ويا صاحبي. فراقك صعب بل هو الأصعب. أعدك في غيابك أن أبقي على الصداقة النبيلة، وأعدك في وفاتك أن أستمر في رفع شمعة الحرية حيث لست قادراً على حمل شعلة الحرية، فالحرية لن تكون يتيمة طويلاً، ثم أعدك بالرجوع الى كافة نصائحك.
حزنت وبكيت اليوم عند سماع وفاته مغدوراً في قنصلية بلده. لم يكن هذا يرد في خيال جمال. لم يكن جمال يستحق هذا المصير ولم تكن السعودية تستحق أن تُرتكب مثل هذه الجريمة في مقر من مقارها الدبلوماسية. بيان المملكة الذي نُشر اليوم جاء صادماً ومؤلماً رغم أنه كان متوقعاً. كانت الشائعات والتسريبات تتحدث عن مقتله في قنصلية بلده بشكل يومي ومنذ اختفائه في 2 أكتوبر وعلى مدى الأسبوعين الماضيين. تسلّحت بعدم التصديق حتى يثبت الأمر بالدليل القاطع والاعتراف الصريح.
كذلك: "اختفاء في عز الظهر".. تسلسل زمني لتطورات قضية جمال خاشقجي أولا بأول
لم أكن مستعداً نفسيا وأخلاقياً لتصديق التسريبات التي كانت في مجملها تسريبات مسيّسة تستهدف النيل من السعودية ومن برنامجها الإصلاحي الذي كنت ولا زلت من أكثر المؤيدين له، بل كان جمال من أكثر المؤيدين والمروجين له.
حباً في السعودية وحباً بشعبها وقيادتها كنت كما كان كل محب للسعودية ناكراً لأخبار مقتله في قنصلية بلده. لا يمكن أن ترتكب مثل هذه الحماقة في قنصلية من قنصليات بلد الحرمين. هذا لا يعقل ولا يجوز ولا يمكن تصديق ارتكاب مثل هذا الفعل الحقير والشنيع في قنصلية سعودية.
لذلك سبقت الجميع في شهادتي بحق جمال بعد أسبوع من غيابه وأكرر الآن بعد تأكيد خبر وفاته: إن من قتل جمال حقير بل هو أحقر البشر. إن من قتل جمال مجرم يستحق أقصى العقوبات. من قام بهذا الفعل عن عمد أو بالخطأ ارتكب جريمة نكراء ليس بحق جمال الذي كل ما يملك قلمه الحر ورأيه المستقل، بل من قام بهذا الفعل الشنيع أساء الى ملكه، وولي عهده، وبلده ويستحق أن يسجن مدى الحياة.
حسنا فعلت السعودية التي تعرضت لهجوم إعلامي أسود وبغيض وغير مسبوق، أنها تعاملت مع كل ذلك بهدوء وصبر، وأجرت تحقيقاتها بكل تأنٍ، وأعلنت في بيانها اليوم بكل شفافية عن ملابسات مقتل مواطنها وابنها البار جمال.
جمال الذي أعرفه لا يقبل الإساءة لوطنه. هذا خط أحمر بالنسبة له. شاهدته يدافع عن السعودية في عشرات الندوات والمؤتمرات التي حضرتها معه. جمال الذي أعرفه لا يقبل أن تتعرّض سمعة السعودية الى سوء. جمال لا يقبل المساس بحكومته والتطاول على قيادته. وعلى الرغم من انتقاداته واختلافه مع بعض السياسات والاجراءات والاعتقالات، كان جمال يكنّ الاحترام والتقدير لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. بل كان دائماً من أكبر المدافعين بحس وطني عن برنامجه الإصلاحي ورؤيته لمستقبل السعودية. إكراما لجمال، أتمنى أن تتصالح السعودية مع كل مع يحمل رأياً مختلفاً ومخالفاً وناقداً وأن تطلق سراح كافة الناشطين والناشطات. فالسعودية والإمارات ودول الخليج أفضل حالا بدون اعتقال وتخويف من يدافع عن الحرية ويقول كلمة الحق.
قضية جمال كانت دائماً الدفاع عن حرية الرأي والتعبير والصحافة التي تراجعت بشكل غير مسبوق وغير معهود في عموم المنطقة العربية كما تشهد بذلك التقارير الأممية وكما يشهد بذلك كل من يكتب ويغرّد ويقول كلمة الحق. جمال قال ذلك في آخر مقال له في صحيفة "واشنطن بوست" نُشر بعد وفاته. تحدّث عن الحرية في مقاله الأخير، وربما كان معه حق في ذلك ودفع حياته من أجل قول كلمة الحق.
كان جمال والحرية صنوان لا يفترقان. صحيح أنه وكغيره تاه لفترة من الزمن في متاهات الفكر والحياة السياسية ودهاليز الحكم، لكنه عاد ليحمل قناعة واحدة ووحيدة هي أنه لا يمكن حدوث نهضة سعودية وخليجية وعربية حقيقية من دون جرعة أكبر من الحرية في حياتنا المعاصرة. الحرية هي الطريق للخروج من الهزائم والاخفاقات العربية المتكررة. هناك عجز في الحرية وفائض في التسلّط والسلطوية والفردية والتفرّد والاستئثار بالسلطة والثروة.
من يقول هذا الكلام يدفع الثمن وجمال دفع الثمن بحياته. لكن من يقول هذا الكلام لا يستحق أن يقتل ولا يستحق أن يسجن ولا يستحق أن يعذّب ولا يستحق أن يُجرّ إلى المحاكم ولا يستحق أن يُخفى بعيداً عن أسرته. من يقول كلمة الحق بحرص وحب وإخلاص لوطنه وقيادته، ومن يحمل شعلة أو شمعة الحرية كما حملها جمال يستحق التكريم والاحتفاء حياً وميتاً.
العالم الحر يودع اليوم جمال بحزن. لم يكن جمال يتوقع مثل هذا التكريم الذي يشارك فيه العالم بأسره. المطلوب الآن وبعد أن تأكد خبر وفاته إعلان دقيقة حداد في الأمم المتحدة على روحه. والمطلوب ثانياً، تحقيق العدالة له ومعاقبة من ارتكب هذه الجريمة الشنيعة بأقصى العقوبات. والمطلوب ثالثا، الإستمرار في رفع شمعة الحرية وعدم إسقاطها من أيادي أحرار الوطن العربي.
دخل جمال خاشقجي في سجل الأحرار شهيداً من شهداء الحرية في التاريخ.
رحمه الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته، والصبر والسلوان لأسرته الصغيرة والكبيرة.


         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير