☰

231 مليار درهم في 70 حسابا أو “صندوقا” خصوصيا.. هل تدير الحكومة “ميزانية موازية” بعيداً عن رقابة البرلمان؟


حقائق بريس/ متابعة
الجمعة 30 أكتوبر 2026


70 حساباً أو “صندوقا” تديرها وزارات ومؤسسات حكومية، أنفقت 56 منها أكثر من 176 مليار درهم خلال سنة واحدة، بينما تراكمت فيها أرصدة تتجاوز 230 مليار درهم. أرقام تكشف عنها وثيقة رسمية مرفقة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، وتطرح أسئلة حول مصدر هذه الأموال، وكيفية إنفاقها، وحدود الرقابة البرلمانية عليها.


إلى جانب الميزانية العامة للدولة، التي تبلغ نفقاتها نحو 640.5 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2027، توجد كتلة مالية ضخمة تديرها الحكومة عبر ما يسمى “الحسابات الخصوصية للخزينة”. وهي حسابات لا تحظى عادة بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي تحظى به الميزانيات الوزارية، رغم أنها تمول برامج ومشاريع بمليارات الدراهم سنوياً.

وحسب التقرير الرسمي حول الحسابات الخصوصية للخزينة، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، بلغ عدد هذه الحسابات 70 حساباً سنة 2026، من بينها 56 حساباً تعرف قانونياً باسم “الحسابات المرصدة لأمور خصوصية”.
ولا تعني كلمة “خصوصية” هنا أن الأموال خاصة أو سرية، وإنما أنها مخصصة لأغراض محددة، مثل الحماية الاجتماعية والطرق والسكن والفلاحة والرياضة وإعادة الإعمار.

لكن ضخامة الأموال التي تمر عبر هذه الحسابات، وإمكانية الاحتفاظ بأرصدتها من سنة إلى أخرى، تطرح سؤالاً يتجاوز التعريف القانوني: هل أصبحت هذه الحسابات تشكل ما يشبه ميزانية موازية تدير الحكومة من خلالها جزءاً مهماً من المال العام وفق قواعد تختلف عن تلك المعمول بها في الميزانية العامة؟

70 حساباً.. من يتحكم في أموالها؟

تكشف الوثيقة الحكومية أن عدد الحسابات الخصوصية انخفض من 80 حساباً سنة 2007 إلى 70 حساباً سنة 2026، في إطار سياسة تقول الحكومة إنها تهدف إلى ترشيد استعمال هذه الآلية المالية.

وتستحوذ وزارة الاقتصاد والمالية على تدبير أكبر عدد منها، إذ تتولى مسؤولية 25 حساباً، بينها 15 حساباً مرصداً لأمور خصوصية، إضافة إلى عشرة حسابات من أصناف أخرى.

وتأتي وزارة الداخلية في المرتبة الثانية بعشرة حسابات، تليها رئاسة الحكومة بستة حسابات، ثم وزارة الفلاحة وإدارة الدفاع الوطني بأربعة حسابات لكل منهما. وتتوزع الحسابات المتبقية على قطاعات حكومية أخرى، بينها التجهيز والماء والعدل والشباب والثقافة والتواصل والانتقال الطاقي.

ويعني تدبير الوزارة لهذه الحسابات أن الوزير أو المسؤول المخول قانوناً يتولى سلطة الأمر بصرف نفقاتها، في حدود الاعتمادات والقواعد المحددة لها.

وخلال سنة 2025، بلغت النفقات المنجزة في الحسابات المرصدة لأمور خصوصية 176.32 مليار درهم، استحوذت وزارة الداخلية على 71.12 مليار درهم منها، أي نحو 40.3%، بينما بلغت النفقات التي تولت وزارة الاقتصاد والمالية الأمر بصرفها 65.23 مليار درهم، أي نحو 37%.

وبذلك تركزت أكثر من ثلاثة أرباع هذه النفقات، نحو 77.3%، لدى وزارتين فقط هما وزارة المالية ووزارة الداخلية.

ولا يعني هذا التركيز، في حد ذاته، وجود مخالفة أو سوء تدبير، لكنه يبرز أهمية معرفة المعايير التي تحكم توزيع هذه الموارد، والجهات التي تتلقى التحويلات، والمشاريع التي تستفيد منها.

من أين تأتي الأموال؟ وكيف تراكمت 231 مليار درهم؟

وفق التقرير الحكومي، بلغت الموارد الإجمالية المسجلة في الحسابات المرصدة لأمور خصوصية سنة 2025 نحو 407.25 مليارات درهم. لكن هذا الرقم لا يمثل أموالاً جديدة دخلت خزينة الدولة خلال السنة نفسها.

فمن هذا المجموع، جاء 143.97 مليار درهم من الموارد الذاتية للحسابات، بما فيها الضرائب والرسوم والأتاوى والمساهمات والمداخيل الأخرى غير المتأتية من الميزانية العامة.

وأضافت الدولة 64.96 مليار درهم في شكل تحويلات من الميزانية العامة، بينما مثلت الأرصدة المرحلة من نهاية سنة 2024 نحو 198.32 مليار درهم.

وبذلك بلغت الموارد الجديدة المسجلة خلال 2025 نحو 208.93 مليارات درهم، يضاف إليها ما تبقى من السنوات السابقة.

وبعد تسجيل نفقات بلغت 176.32 مليار درهم، وصل الرصيد المحاسبي المرحل إلى السنة التالية إلى نحو 230.93 مليار درهم.

وهذا المبلغ الضخم لا يعني بالضرورة وجود 231 مليار درهم من الأموال النقدية الحرة التي تستطيع الحكومة استعمالها في أي غرض تختاره.

فبعض الأرصدة قد يكون مرتبطاً بمشاريع قيد الإنجاز أو اتفاقيات والتزامات مالية لم تصل بعد إلى مرحلة الأداء. كما أن الأرصدة المحاسبية لا تعادل بالضرورة سيولة نقدية مستقلة مودعة في حسابات بنكية خاصة بكل صندوق.

وهنا يبرز أحد أهم أسئلة الحكامة؛ لماذا تستمر بعض الصناديق في مراكمة الموارد، بينما تواجه قطاعات عمومية حاجات تمويلية متزايدة، وتلجأ الدولة إلى الاقتراض لتغطية جزء من نفقاتها؟

أين صُرفت 176 مليار درهم؟

تتوزع نفقات الحسابات المرصدة لأمور خصوصية على مجالات متعددة، بعضها يرتبط مباشرة بالخدمات العمومية، وبعضها الآخر بتحويلات مالية إلى الجماعات الترابية أو المؤسسات المكلفة بتنفيذ برامج محددة.

وتظهر الأرقام الحكومية أن أكبر مبلغ صُرف سنة 2025 تعلق بحصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة، التي بلغت 54.50 مليار درهم، تليها نفقات صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي بنحو 37.67 مليار درهم.

كما أنفق الحساب الخاص باستبدال أملاك الدولة 16.27 مليار درهم، والصندوق الخاص بحصص الضرائب المخصصة للجهات 9.25 مليارات درهم، والصندوق الوطني لتنمية الرياضة 7.51 مليارات درهم.

وسجل صندوق التضامن لدعم السكن والاندماج الحضري نفقات بلغت 6.87 مليارات درهم، مقابل 6.05 مليارات درهم لصندوق تدبير آثار الزلزال، و5.27 مليارات درهم لصندوق التنمية الفلاحية، و3.66 مليارات درهم للصندوق الخاص بالطرق.

هل هي ميزانية موازية؟

من الناحية القانونية، لا توجد ميزانيتان مستقلتان للدولة المغربية، فالقانون التنظيمي لقانون المالية يميز بين الميزانية العامة، وميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، والحسابات الخصوصية للخزينة. وتشكل هذه المكونات جميعها جزءاً من ميزانية الدولة.

غير أن الحسابات الخصوصية تتميز عن الميزانية العامة بقواعد خاصة، من أبرزها تخصيص موارد لأغراض معينة وإمكانية ترحيل الأرصدة غير المستعملة من سنة إلى أخرى.

ومن هنا يمكن الحديث عن “ميزانية موازية” بالمعنى الاقتصادي أو الصحفي، للدلالة على كتلة مالية كبيرة تُدار خارج الأبواب المعتادة للميزانية العامة، وليس بمعنى وجود أموال سرية أو مستقلة عن القانون.

وفي مشروع قانون المالية لسنة 2027، تبلغ نفقات الميزانية العامة نحو 640.5 مليار درهم، مقابل 183.41 مليار درهم لنفقات الحسابات الخصوصية، و1.68 مليار درهم لمرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة.

لكن جمع هذه الأرقام لا يعطي بالضرورة الحجم الصافي للإنفاق العمومي، لأن الميزانية العامة تحول جزءاً من مواردها إلى الحسابات الخصوصية، ما قد يؤدي إلى احتساب بعض المبالغ مرتين.

البرلمان يصادق.. لكن هل يناقش التفاصيل؟

خلافاً لما قد يوحي به وصف “الميزانية الموازية”، لا تنفق الحكومة أموال الحسابات الخصوصية خارج الإطار القانوني أو دون ترخيص برلماني.

فقانون المالية ينظم إنشاء هذه الحسابات ومواردها ونفقاتها، ويخضعها للترخيص وفق القواعد القانونية المعمول بها.
كما ينص نفس القانون على تقديم مشاريع العمليات المبرمجة في إطار الحسابات المرصدة لأمور خصوصية إلى اللجان البرلمانية المعنية، رفقة مشاريع ميزانيات القطاعات الوزارية أو المؤسسات التابعة لها.

وبمعنى مبسط، لا يفترض أن يقتصر اطلاع البرلمان على المبلغ الإجمالي المخصص للصندوق، بل ينبغي أن تعرض عليه أيضاً المشاريع والعمليات المبرمجة في إطاره.

لكن تقديم المشاريع إلى اللجان لا يعني أن النواب يصوتون بصورة مستقلة على كل مشروع أو صفقة، كما لا يعني أنهم يختارون الجهات المستفيدة من التمويل.

وتبقى القرارات التنفيذية من اختصاص السلطات الحكومية والإدارية المكلفة بالتدبير، وهنا تظهر المسافة بين الرقابة المنصوص عليها قانوناً والرقابة التي تمارس فعلياً.

الشفافية.. ما الذي تكشفه الحكومة وما الذي لا تكشفه؟

يوفر تقرير الحسابات الخصوصية معطيات مهمة عن عدد الحسابات، وتوزيعها بين الوزارات، ومواردها ونفقاتها وأرصدتها، فضلاً عن معلومات قطاعية حول عدد من البرامج والمشاريع.

لذلك سيكون من غير الدقيق القول إن هذه الحسابات تعمل في سرية مطلقة أو إن الحكومة لا تنشر بشأنها أي معلومات.

فمعرفة أن صندوقاً أنفق سبعة مليارات درهم لا تكشف بالضرورة هوية الجهات التي تلقت التمويل، ولا قائمة الصفقات التي أبرمت، ولا كلفة كل مشروع، ولا مستوى تقدمه أو نتائجه.

كما أن معرفة أن حساباً يحتفظ برصيد يبلغ عشرات المليارات لا توضح تلقائياً حجم الالتزامات المالية التي تنتظر الأداء، أو الأسباب التي حالت دون صرف بقية الأموال.

بين مرونة التدبير وحق المجتمع في المحاسبة

تدافع الحكومات عادة عن الحسابات الخصوصية باعتبارها وسيلة لتوفير تمويل مستمر للمشاريع والبرامج التي لا يمكن إنجازها خلال سنة مالية واحدة.

فمشروع لإعادة الإعمار أو بناء بنية تحتية قد يحتاج إلى سنوات، وقد يكون من المفيد الاحتفاظ بالموارد المخصصة له بدلاً من إعادة برمجتها سنوياً.

كما أن بعض هذه الحسابات يمول تحويلات قانونية إلى الجماعات الترابية والجهات، أو برامج اجتماعية لا يمكن إيقافها عند نهاية كل سنة مالية.

فكلما اتسع حجم الموارد المخصصة للحسابات الخصوصية، ازدادت أهمية معرفة أسباب اختيار هذه الآلية بدلاً من الميزانية العامة، ومدى ملاءمتها لطبيعة النفقات، ونتائج استخدامها.

وتبرز هنا مفارقة تستحق التدقيق، بينما تحتاج الدولة إلى موارد إضافية لتمويل استثماراتها ونفقاتها، تتراكم أرصدة محاسبية كبيرة في بعض حساباتها الخصوصية.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في وجود الحسابات الخصوصية، فهي آلية مالية معروفة في أنظمة أخرى، وإنما في مدى وضوح قواعد تدبيرها وفعالية الرقابة على استعمال مواردها.


مقالات ذات صلة