الدين، والسلطة، والنفوذ، ودواعي التجييش، والتبعية، والانبطاح.....1


محمد الحنفي
الأحد 2 أكتوبر 2011


إلى المغفلين الذين ينساقون وراء الأوهام


في هذا العالم المتخلف، الذي لا رأي للشعوب فيما يجري فيه، نجد أن مواقف المواطنين السياسية، لا علاقة لها بالانتماء الحزبي، ولا بالانتماء الطبقي، ولا بالتردي الذي تعرفه الوضعية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، بقدر ما له علاقة بأمور أخرى، تتأسس على قاعدة انتشار الفساد السياسي، والإداري، الذي تعرفه البلدان المتخلفة على مدار السنة، وفي مختلف المحطات الانتخابية.

فالفساد السياسي، يقتضي تمكين جهات معينة من الإمكانيات المادية، والمعنوية، التي توظف لتقويتها، وجعلها تتغلغل في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، التي تعاني من التضليل الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، كما يقتضي حرمان جهات أخرى من تلك الإمكانيات، ومحاصرتها، حتى تبقى عاجزة عن الوصول إلى الجماهير الشعبية الكادحة، والمضللة في نفس الوقت، خوفا على تلك الجماهير من التقاط وعيها الطبقي، الذي يدفع بها إلى الانخراط في الصراع الإيديولوجي، والتنظيمي، والسياسي، في أفق تحسين أوضاعها المادية، والمعنوية، ومن أجل التغيير المنشود للواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى يصير ذلك الواقع في خدمة الجماهير الشعبية الكادحة، بدل أن يستمر في خدمة التحالف البرجوازي / الإقطاعي /
المخزني / الظلامي المتخلف.

وعجز التنظيمات المغضوب عليها، عن الوصول إلى الجماهير الشعبية الكادحة، ليس رغبة من تلك التنظيمات، في الخضوع إلى ذلك العجز؛ بل هو ناتج على الشروط الموضوعية، التي صارت بمثابة سدود منيعة تحول دون وصول التنظيمات المناضلة إلى الجماهير الشعبية الكادحة.

وهذه الشروط الموضوعية، التي أنضجتها الطبقة الحاكمة، وأحزابها الإدارية، والمخزنية، تتجسد، بالخصوص، في الخضوع لكون الانتماء السياسي في المجتمع قائما على أساس:

أولا: قيام الحزب السياسي على أساس التوظيف الديني لخدمة السياسة. وهو ما نسميه بأدلجة الدين، التي تجعل دينا معينا يتحول من مجرد دين يتم الإيمان به، وممارسة طقوسه المعبرة عن ذلك الإيمان، إلى إيديولوجية تصير أساسا لقيام حزب معين، لخدمة تحقيق أهداف سياسية معينة، لا يمكن تحقيقها بعيدا عن استغلال الدين في الأمور السياسية.

ومعلوم أن مجتمعنا: المجتمع المغربي الذي يؤمن أفراده بالدين الإسلامي، ويخلصون في إيمانهم، ويستميتون من أجل ترسيخ ذلك الإيمان في المجتمع، ويعتقدون أن الحزب القائم على أساس ديني، هو الحزب المناسب "للجهاد"، من أجل تغيير الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، حتى تصير في خدمة الدين، وحتى يصير الناس جميعا خاضعين لتطبيق أوامر الله، ونواهيه، ومن أجل أن يصير المجتمع، برمته، مستعدا ليوم القيامة، لا من أجل أن يعيش بكرامته في الحياة الدنيا، عن طريق تمتيعه بجميع حقوقه، وفي مقدمتها تقرير مصيره الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي.

فاعتماد الأساس الديني في قيام حزب معين، هو سطو على الدين، عن طريق أدلجته، ليصير مجرد إيديولوجيا، تقود إلى إيجاد تنظيم سياسي معين، يقوم بتجييش كل المؤمنين بذلك الدين، من أجل السيطرة على السلطة السياسية، وخدمة المصالح الطبقية، لمؤدلجي الدين، كيفما كان هذا الدين.

والأدلجة التي يتعرض لها الدين بصفة عامة، والدين الإسلامي بصفة خاصة، تعتبر اكبر عملية تخريبية للوجدان الإنساني، تؤدي إلى اعتماد الدين إلقاء كل الآراء المخالفة، التي يعتبرها مؤد لجو الدين متناقضة مع الدين. وهذا الإلغاء المتعمد، واللا ديمقراطي، هو الأساس الذي تقوم عليه إيديولوجية الإرهاب، الذي يرتبط بوجود الأحزاب، والتيارات المتشددة دينيا، وخاصة في بلاد المسلمين، ومنها المغرب، الذي صار يعرف تفريخ خلايا الإرهاب، التي يعلن عن تفكيكها بين فينة، وأخرى.

الثاني: قيام الحزب السياسي على أساس رغبة السلطة القائمة، وبتوجيه منها، من أجل إعطاء الشرعية للسلطة القائمة، و لسياسة الدولة اللا ديمقراطية، واللا شعبية.
والأحزاب التي تتكون على أساس رغبة السلطة في وجودها، كما حصل في سنة
1963، وفي سنة 1976، وفي سنة 1983، هي أحزاب تتكون من الأشخاص الذين تختارهم السلطة، بناء على مقاييس معينة، لتحقيق أهداف معينة، على المدى المتوسط، خدمة لمرحلة معينة. وبعد ذلك تبقى هذه الأحزاب موجودة، بناء على رغبة الحاصلين على مجموعة من الامتيازات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي جعلتهم من البرجوازية الكبيرة في المغرب، بعد أن كانوا مجرد عملاء لا يقدرون حتى على الحصول على قيمة لقمة العيش.

وإيديولوجية هذه الأحزاب، هي إيديولوجية السلطة القائمة، التي تأخذ من هنا، ومن هنا، وتقول هذا لنا، لتصير خليطا من الإيديولوجيات: العبودية، والإقطاعية، والبرجوازية الصغرى، إضافة إلى أدلجة الدين، التي تضلل قطاعا عريضا من مجتمع المومنين بالدين، المخلصين له، الذين صاروا يعتقدون بان السلطة القائمة، بهياكلها المختلفة، هي التي تمثل الدين، وما تقوم به جزء من الدين.

أما تنظيمات هذه الأحزاب، فلا تكون إلا وفق ما تريده السلطة، وتحت أعينها، حتى تتحول إلى تنظيمات تضمن عدم تنظيم الذين لا ترغب فيهم السلطة، وتمارس في الواقع ما ترغب فيه السلطة القائمة. فهياكل التنظيم الحزبي: التنفيذية، والتقريرية، تتصرف وفق ما ترسمه السلطة، لتنتج القرارات التي ترغب فيها السلطة، وتنفذها، في الوقت الذي تحدده.

وبالنسبة للمواقف السياسية لهذه الأحزاب، فإنها لا تتجاوز أن تصير مواقف سياسية للسلطة من الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، عن طريق إعادة إنتاجها؛ لأن هذه الأحزاب تعتبر نفسها جزءا من السلطة، وتابعة لها، وملتزمة بتوجيهاتها، حتى تضمن لأعضائها التمتع بمختلف الامتيازات، التي تقدمها لهم السلطة على المستوى المحلي، والإقليمي، والجهوي، والوطني، في التسلق الطبقي، والانخراط في صفوف
الطبقات ذات الثراء الفاحش.

ونظرا لالتزام هذه الأحزاب بإديولوجية السلطة، وبتصورها التنظيمي، وبمواقفها السياسية، فإنها تصير خير سند للسلطة، وخير دعم لها، في ممارستها السياسية، اللا ديمقراطية، واللا شعبية.

الثالث: قيام الحزب على أساس النفوذ الذي يتمتع به شخص معين، انطلاقا من موقع معين،يحتله على المستوى الوطني، مما يجعله يتحكم في أجهزة السلطة، ويوجهها لخدمة مصالحه، في أفق تحقيق الأهداف التي يسطرها اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

والحزب الذي يقوم على أساس نفوذ الشخص، يشكل انطلاقا من ذلك النفوذ، مما يجعل منه حزبا نافذا، محليا، وإقليميا، وجهويا، ووطنيا، تهابه السلطة، وتخدمه، وتساعده، وبكافة الإمكانيات، المتوفرة لديها، على تحقيق أهدافه التي تجعل منه حزبا بارزا على المستوى الوطني، بروزا لا يوازيه إلا نفوذ الشخص على المستوى الوطني.

وحزب نافذ نفوذ الشخص الذي يقف وراءه، فإن:

أولا: إيديولوجيته تتشكل بناءا على ما يتفوه به الشخص النافذ، ويردده أتباعه، الذين يأتون إليه هرولة، وينبطحون أمامه، إخلاصا له، ورغبة في الاستفادة من الامتيازات التي يمنحها لهم، عن طريق تمكينهم من الوصول إلى مراكز القرار الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي؛ لأن ما يتفوه به الشخص النافذ، يحفظه التبع المنبطحون عن ظهر قلب، ويرددونه على مسامع المواطنين، سعيا إلى تضليلهم آناء الليل، وأطراف النهار، لجعلهم يعتقدون أن الشخص النافذ بركة من الله إليهم، لإنقاذهم من الفقر، والجهل، والمرض، الذي يعانون منه، والذي ترتب عنه توالي تحكم جهات أخرى في مصيرهم الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي.

ثانيا: تنظيمه على أساس التصور الذي يضعه، عبر أجهزة معينة، الشخص النافذ، حتى يتحكم فيه، ومن أجل أن لا يصير شيئا آخر، وسعيا إلى جعل الحزب قادرا على تحقيق أهدافه، من خلال تواجد أتباعه في مختلف المؤسسات الجماعية، وفي غرفتي البرلمان، والتحكم في تلك المؤسسات التي تتحول إلى وسيلة لتحقيق أهداف الشخص النافذ، المحلية، والإقليمية، والجهوية والوطنية؛ لأن التنظيم الحزبي القوي، هو التنظيم الذي يسيطر، أو يتواجد بقوة في مختلف المجالس، وفي غرفتي البرلمان. أما وجود التنظيم، في حد
ذاته، كهيكلة تمارس مهامها، فأمر وقتي، يرتبط بالمحطات الانتخابية، التي
تعرف نتائجها قبل أن تجرى.

ثالثا: مواقفه السياسية، هي نفسها مواقف الشخص النافذ، التي يرددها
الأتباع، دون أن يكون لهم رأي فيها، حتى لا تتناقض مواقف الحزب مع مواقف الشخص النافذ، الذي قد يكون من موجهي سياسة الدولة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، كما قد يكون متحكما في الخريطة الانتخابية، التي
تخدم مصالح حزبه، حتى يصير الحزب متحكما في أغلب المجالس المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية.

والحزب القائم، بهياكله المختلفة، عندما يلتزم بالمواقف السياسية للشخص النافذ، ولا يخرج عنها، فلأنه قام على أساس ذلك الشخص، الذي يتحكم في وجوده، خاصة، وهو يعلم علم اليقين، أن المتواجدين في أجهزة الحزب
المختلفة قياديا، وقاعديا، وعلى جميع المستويات التنظيمية، لا يخرجون عن كونهم ينتمون إلى زمرة لانتهازيين في المجتمع، الذين لا يؤمن جانبهم، والذين يستطيعون تغيير جلدتهم في أية لحظة، همهم الأساسي، هو الانبطاح
أمام من يمكنهم من تحقيق تطلعاتهم الطبقية، أو يعمل على حماية مصالحهم الطبقية، حتى وإن كان ذلك على حساب كرامتهم التي تذهب سدى، أو على حساب تعميق فقر الكادحين، عن طريق مضاعفة استغلالهم المادي، والمعنوي، حتى وان كان المنبطح له هو الشيطان، إن كان للشيطان نفوذ في الواقع الذي يتحرك
فيه المنبطحون.

وهكذا يتبين أن تأسيس الحزب على أساس الشخص، الذي يتمتع بنفوذ كبير في المغرب، تكون إيديولوجيته، وتصوره التنظيمي، ومواقفه السياسية، نابعة جميعا من إرادة، ورغبة الشخص النافذ، حتى لا يفلت الحزب منه، ومن أجل أن يصير في خدمته، ويمكنه من مضاعفة نفوذه، الذي يتحول إلى نفوذ الحزب الذي يرتبط باسمه، ولا يقدم، ولا يؤخر، إلا بإرادته، ويعمل على خدمة مصالحه الإستراتيجية، عن طريق إعطاء الشرعية القانونية للمشاريع التي يعمل على انجازها هنا، أو هناك.


وسواء قام الحزب على أساس ديني، أو بتوجيه من السلطة، أو على أساس وجود شخص له نفوذ واسع على المستوى الوطني، فان مبررات قيام أي حزب من هذا النوع، تبقى غير شرعية، لأنه لا يقوم على أساس تبلور وعي معين، لدى طبقة معينة، توحدها مصالح معينة، تسعى، بناء على ذلك الوعي، إلى تنظيم نفسها، في أفق أن يصير لها تنظيم، يقود نضالاتها، في أفق تحقيق أهدافها المرحلية، والإستراتيجية، وهو ما يعني أن الحزب الذي لا يقوم على أساس إيديولوجية معبرة عن المصالح الطبقية لطبقة اجتماعية معينة، ووجود تصور تنظيمي منسجم مع الإيديولوجية، واتخاذ مواقف سياسية منسجمة مع طبيعة التنظيم الحزبي، يبقى حزبا مرشحا للانهيار، مهما كانت قوته، لانعدام وجود المقومات التي يقوم عليها الحزب، والتي تمكنه من مشروعية الوجود، والاستمرار.


مقالات ذات صلة