الرحامنة: لماذا سماهم المخزن مساخيط السلطان ؟


الحقيقة الضائعة:ذ مصطفى العلوي
السبت 22 يناير 2011


لولا الانتخابات … لما تحدث احد عن الرحامنة .. و لولا رمضان لما تذكرنا تاريخ هذه النهاية ، ذات التاريخ الكبير.. الرحامنة، الجهة التي كان ماضيها في ذاكرة المجتمع المغربي ، مرتبطا بتعبير مساخيط السلطان



ذات رمضان من سنة 1895 )1313 هجرية( شغل السلطان الجديد مولاي عبد العزيز ، شعبه و قصره له رمضانه… بدل شغله بالانتخابات و نتائجها ..فألهاه .. باعتقال أقوى رجل في الرحامنة مبارك بن سليمان…ووضعه هو وولده الفاطمي ، وأخاه سليمان و جمعهم في قفص من حديد ، و طاف به العبيد في المدن.
و قال المؤرخ بن زيدان انه أحدق به مع حزبه … و كاهنه فانطفأت نيران البغي و الفساد و انكسرت شوكة أهل العتو و الإلحاد و فعلا سارت بذكر هذا الاعتقال الركبان .. و هي السنة التي أطلق فيها المغاربة طول البلاد و عرضها ، أن الرحامنة مساخيط السلطان . و نجانا الله من ألسنة الرأي العام الوطني، الذي نعرف انه سريع التأثر، ناصر لمن غلب ، اصرع من الحرباء في التلون ، و أسهل من سحاب يناير في تغيير الحالات.
لقد أصرت وسائل التوجيه المخزنية ... سنة 1895 و بدافع من الرغبة في تضخيم الانجازات السلطانية ، على تحويل ناحية الرحامنة ، التي أرجعتها الانتخابات الأخيرة 2007 إلى حبة في كل لسان ... إلى منديل تمسح فيه كل ادران الدولة العاجزة التي كانت على أبواب حرب أهلية بين سلطانين أخويين مولاي عبد العزيز ، مولاي عبد الحفيظ ، و كانت أشداق الغول الاستعماري مفتوحة على مصراعيها لابتلاع هذا المغرب ، الذي كان مشغول الرأي العام ، بما خلده التاريخ المغربي عبر وسائل التدوين التي كانت في ذلك الزمن ، تستعمل مستكتبين... كما هو عليه الحال آنيا ... و ماتانيا... فوصف الكتاب ، زعيم الرحامنة منذ حوالي قرن بالعبارات التي ترفد بلقاط، (( إن سيدنا المنصور بالله خيم بعين كيسر في أولاد داوود إقليم سطات لاستنشاق أخبار الفساد الرحامنة ، و رئيسهم النحيس بن النجيس، و مكنه الله من الفاسد الغوات الدمناتي، الذي كان حامل راية الفساد، و أوتي به فطيف به في المحلة السعيدة... على حماره و صفد و سجن و بعده أوتي بسالم الرحماني كاتب الفاسد المذكور ، فألحق بالغوات في السجن بعد ان عاينه ... سيدنا المنصور بالله و جمع عليه كبراء الجيوش و العساكر السعيدة ثم ركب على جمل أعرج ... و طيف به في المحلة السعيدة ، عاري الرأس و الصفع في قفاه ، و سخط الله ينزل عليه ، حتى كاد أن يموت من العذاب ، ثم صفد من يديه ، و رجله و عنقه و سجن في قفص من حديد كالخنزير أو الكلب العقور ، فقطع دابر الذين ظلموا ، و الحمد لله رب العالمين )) مقتطفات من بيان كتيه مقرب إعلامي من السلطان يسمى مولاي زيدان منشور في كتاب اتحاف أعلام الناس لبن زيدان).
الرحامنة إذن ، ليست مجرد براد شاي ، و زينة من البروشيط في سوق ابن جرير ، و لا مجرد انتصار انتخابي ، لأحد المقربين الذي وعد بإحياء هذه المنطقة التي لم نسمع عنها في الحملة الانتخابية إلا أنها بائسة فقيرة.
و السلطان عبد العزيز ، و كل سلطان عزيز (( ...)) عليه أن يعرف الأسباب الكاملة و راء هذه التعبيرات القاذفة التي قال المؤرخ ابن زيدان، بان (( ... السلطان هو الذي كتب بنبإ هذا الفتح الباهر (( ...)) لسائر الأمصار) ) ، لان تاريخ الرحامنة ،بان يوجز في تعبير مساخيط السلطان أو في وضع زعيمهم في قفص من حديد فالسلطان الذي فرح في هذا النصر ، ربما كان ينتقم لواله الملك العظيم الحسن الأول الذي لم يستطع بعظمته دخول الرحامنة سنة 1872 ،عندما سمع بأن الرحامنة ثائرون على نفود وزيره الأول باحماد رافضون لحكمه (( ...)) فتوقف الموكب السلطاني عند زاوية بن ساسي عاجزا عن الدخول إلى الرحامنة و زمران و قد جاء المؤرخون الفرنسيون للبحث عن أسباب غوغائية الرحامنة و حربهم الطويلة مع الدولة العلوية (( ...)) منذ أيام السلطان مولاي سليمان و محمد ابن عبد الرحمان ، الذي ما أن توجه إلى الشمال لمحاربة الاسبان حتى استغل الرحامنة انشغاله (( . و هاجموا على مراكش و أغاروا سوق الخميس بمراكش و منعوا سكانها من الاقتراب فانقطعت السبل و ارتفعت الأسعار و قطع الرحامنة ما حول الأسوار من الأشجار و حصدو الزرع في الفدادين و اغتصبوها و اشتد الحصار..)) (( الاستقصاء – الناصري -...)) و قد اضطر السلطان محمد ابن عبد الرحمان عن التنازل عن جبهة حربه مع اسبانية(( ...)) في ذي الحجة 1278 هجرية 1862 ميلادية و كتب للسلطان لأخيه مولاي رشيد رسالة أورد صاحب الاستقصاء نصها ، توجز درجة الخطورة التي آلت إليها أوضاع البلاد حتى اضطر السلطان لمهادنة اسبانية و التكفل بالرحامنة (( أخانا الأعز ، انه لما تواثرت الأنباء المحققة بما ارتكبه ظالمو أنفسهم الرحامنة (( ...))من أنواع الفساد التي أذاعوها و أشاعوها و قد كانت في صدورهم كامنة (( ...)) صرفنا الوجهة (( ...)) و طوينا المراحل ، و أرسلنا سيل العرم (( ...)) من العساكر و الجيوش ، فمن سل سيف البغي يعود إلى نحره و من ركب مثنى الشقاق يغرق في بحره ، وان الفتنة نار تحرق من أوقدها...)) (( الاستقصاء-الناصري)) واحد من أقطار الرحامنة ،القايد العيادي، الذي كان عاملا في عهد الحسن الثاني على إقليم الرحامنة ، فاجأ المؤرخ الفرنسي كوفيون، بالدفاع عن أبناء قبيلته(( ...))وعن ثوراتهم المتوالية، وعن هذه الفترة المرتبطة بالسلطان محمد بن عبد الرحمان، قال القايد العيادي للكاتب الفرنسي: (( إن خليفة السلطان،أخاه مولاي رشيد كان ينكل بالرحامنة فثاروا عليه ، وهزموا جيشه حتى إن السلطان قال قولته المشهورة عن الرحامنة، إنهم كمشة من النحل أقوى من قبو من الذباب)) (( كتاب أعيان المغرب. كوفيون)) وكان يقصد بقبة الذباب جيوش السلطان ، التي فرحت بقطع بعض الرؤوس الرحمانية وقدمتها بين أيدي السلطان الذي أمضى ظهيرا مسجلا بالتاريخ يأمر بنقل تلك الرؤوس، وتعليقها على أسوار المدن المغربية وكأنها منجزات ضخمة .ويقول في ظهير: (( وإذا علقت تلك الرؤوس ليلة فليحملها المكلفون بها لتعليقها بمدن أخرى)) (( نفس المصدر)).
فهل كان السلطان محمد بن عبد االرحمان، أول من قطع رؤوس أقطاب الرحامنة : أم أن السلطان التقي الورع مولاي سليمان،منعه الرحامنة قبله سنة 1685 م من المرور عبر ترابهم لتوجه نحو جنوب مراكش لمحاربة قبائل سوس في تارودانت وقتها كان حكم الرحامنة بين يدي قطب ديني(( ...))يسمى رجل العلم و البارود الشيخ عبد الله بن عبد الرحمان.
الفرنسي كوفيون الذي ألف أضخم كتاب وأكثره توثيقا عن المغرب (( أعيان المغرب الأقصى)) لخص تعريف الرحامنة في تعبير يغني عن كل تفسير(( الرحامنة، اسم تخفضه الأزمان كصدى متردد دائم المعارك ))، وفعلا لم تتوقف معارك الرحامنة إلا في عهد الاستقلال : ترى هل ستبقى متوقفة في هذه الفترة التي لا تتعدى الخمسين عاما: آم ستعود لسالف حروبها التي ترجع لأكثر من ألف سنة.
أقوى رجل في المغرب خلال فترة ما قبل الحماية: الرجل القوي في زمانه باحماد وكان يتحدث عن خطر الرحامنة مع أعضاء الحكومة فقال لهم: (( انا لا اعرف لماذا انتم متذمرون أن بوكليب (( مرض الطاعون)) موجود في كل مكان فلما تشتكون، انه ورائنا وأمامنا وقد علمت انه وصل إلى مراكش وأظن انه يعمل في هذه الأحيان لحسابنا، فسواء هنا أو هناك لن يفلت احد من مصيره)).
(( زمن المحلات السلطانية، لوي ارنو)) بمعنى أن الوزير الأول يعول على طاعون البوكليب يخلصه من الرحامنة .
مشيخة واحد من مؤسسي الواقع الرحماني ، القطب الديني الشيخ عبد الله ، ظهرت أثارها عندما همت الجيوش العزيزة باعتقال المعارض الرحماني بن سليمان فلجأ إلى ضريح سيدي إبراهيم التف بغطاء الضريح وخرج أعضاء الزاوية عند باحماد يقولون له (انه محتم بحمى زاويتنا ، وبجدنا الذي تحترمونه، فأجابهم باحماد: هل تمرد الطاهر بن سليمان عن سيدنا.. أولا ) (( نفس المصدر)) الرحامنة في الواقع يستمدون ثورتهم الدائمة من جذورهم العربية الأصيلة، ومن الدور التاريخي الكبير الذي لعبوه في خريطة الدولة الإسلامية ،و القبائل الرحمانية التي لا نكاد نرى واقعها ونحن نعبر اوطوروت الجديد المتوجه لمراكش، لأنها في الواقع امتداد لقبائل لا زالت تقطن الجماهيرية الليبية إلى الآن متأصلين جميعا من القبائل العربية ، بني هلال وبني عامر الذين رابطوا سنوات طويلة على أطراف النيل المصري(( وقد خرجت قبائل هلال وسليم ورياح وعدي من مضاربهم بصعيد مصر ، وانتقضوا على افريقية (( تونس)) و اوقعو بالمعز بن باديس ، وأقاموا في المغرب ، حيث ظلت الخطبة تقام للعباسين حتى قامت دولة الموحدين على يد عبد الله ابن تومرت)) (( تاريخ الدولة الفاطمية – حسن إبراهيم حسن)).
ويقول المؤرخ الفرنسي كوفيون: (( إذا كانت الرحامنة في قلب الأطلس المغربي ، فإنها قبيلة عربية من عائلة هلال ب عمرو، وفيهم عدد من أولاد سليمان بن منصور ، محاربون غزوا ليبيا منذ القرن الخامس الهجري)) (( كتاب أعيان المغرب الأقصى)).
الرحامنة تعلموا فن الحرب منذ الأيام التي جندهم فيها العباسيون للقضاء على الدولة الفاطمية ، وحصر نفوذها في المغرب، فلم يبق من مؤشر لارتباطهم مع أولاد عمومتهم في ليبيا ،إلا الخيام التي احتفظوا بها ، في انتظار أن يغطي منتخبهم الجديد(( ...)) بهمته العالية (( ...))مساحات الرحامنة في العمارات و الشوارع الفسحة.
لكن متى كانت العمارات و الشوارع الفسيحة تمحوا وشم التاريخ الغائر في ذاكرة الشعوب ، وهذا مار مول كابرال إفريقيا يربط في سرده لتاريخ بني هلال ، الذين هم الأصول الطبيعية للرحامنة (( بين قبائلهم أولاد عمروا ، أولاد سليمان أولاد موسى أولاد عتيق أولاد عبد الله ، القوم المتوحشون (( الذين يعيشون في اضطراب دائم ، بين تلمسان، ووهران، وينتشرون نحو ليبيا إلى صحراء تكورين، وفيهم شرفاء مليانة وولاد أرياح الذين يسكنون مغارات ليبيا و أولاد شاجع الذين يعيش اغلبهم في إقليم كرط بمملكة فاس(( المغرب)) مع أعراب دكالة وضواحي اسفى و الساكنون بإقليم حاحة(( حسن الوزان- ليون إفريقي- وصف إفريقيا)).
الرحامنة، يرحمكم الله ليسوا إذن مساخيط السلطان ، وإنما هم قوة عربية إسلامية لا زالت الأيام تنتظر المزيد من أخبارها.

مقالات ذات صلة