الله يهديك السي الرميد


حميد المهدوي
الجمعة 9 دجنبر 2011


أن يهنأ عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المقبلة، فؤاد علي الهمة على منصبه الجديد كمستشار بالديوان الملكي، وهو الذي قال فيه ما لم يقله مالك في الخمر، أمر يمكن استساغه، بالنظر لما عهد على بنكيران من تقلبات في المواقف وازدواجية في الخطاب و"براغماتية" في السياسة، قد تصل حدودا لا يمكن تصورها، في سبيل " جنة" ترأس الحكومة.


وأن يرى مصطفى الخلفي في افتتاحيته تعيين الهمة مستشارا للملك، تعبيرا عن "وجود منطق سياسي جديد يخدم الوضوح وتحديد المسؤوليات" وانه "ناتج عن التفاعل الجاري بين القوى السياسية ونشوء تدافع ديمقراطي يعزز مسلسل إنهاء سياسات التحكم"، موقف يمكن إلى حد ما تفهمه، خاصة وان افتتاحيات الخلفي كانت دوما مشوبة بالالتباس وعدم الوضوح الكافي في إبداء موقف صريح من الهمة عندما كان الأخير محط جدل وهجوم من طرف معظم قياديي "البيجيدي" بعد ظهور حركة 20فبراير في الشارع، كما يشفع نوعا ما "للشاب" الخلفي موقفه، كونه قادم من أحياء "العلامة العنيفة" بالقنيطرة عندما كان طالبا بجامعة إبن طفيل وهو يمني النفس اليوم بحقيبة وزارة الاتصال ( من حقه)، مع علمه القاطع بان الطريق إلى ذلك الفردوس النعيم يقتضي بالضرورة مغازلة المالكين لـ"صكوك الغفران".

وأن يقول الطبيب عبد الله بوانو عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية والنائب البرلماني عن الحزب ذاته الذي عُرف بشدة مواقفه اتجاه الهمة "إن تعيين فؤاد عالي الهمة مستشارا بالديوان الملكي هو نوع من الرحيل ووضوح المسؤولية". بدوره موقف يمكن التفاعل معه في سياق محاولات تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية، كما أن الرجل لم يسجل عنه يوما زهدا في منصب ما على حساب ثباته على مبدأ.

وطبعا، من حق الملك أن يختار فريق غرفة عملياته السياسية والأمنية كما يشاء، مادام الأمر اختصاصا ملكيا حصريا، كما من حق الهمة أن يكون مستشارا ملكيا أو غير ذلك من المهام السامية مادام مواطنا مغربيا.

وشخصيا، لم يساورني، في يوم من الأيام، لاشك ولاوهم، بأن التاريخ لا يصنعه شخص ما أو شخصين، سواء كان ذلك التاريخ سيئا أو طيبا لان أحداثه، تصنعها المجموعات البشرية الملتئمة في إطار مصالحها الاقتصادية الخاصة.

ولعل الجميع يتذكر السجال الكبير الذي كان مثارا حول إدريس البصري عشية تشكيل حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، حيث كان الجميع يشكك في إمكانية نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي مع فريق حكومي يوجد فيه شخص مثل ادريس البصري، وهو المسؤول بحسب المناوئين له على الويلات والأعطاب السياسية والاقتصادية التي ألمت بالمغرب والمغاربة.

وأتذكر كم كنا نعترض على هذا الزعم عندما كانت تتاح لنا فرصة النقاش في الموضوع، وكنا نقول بان البصري هو فقط جزء صغير من مشكل كبير، وليس هو كل المشكل .
وللتاريخ، فالإتحاد الاشتراكي هو الذي أذكى بشكل كبير لدى المغاربة، بان البصري هو سبب الويلات السياسية والاقتصادية في المغرب، وانه لا تطور ديمقراطي ولا هم يحزنون، إلا برحيل هذا الرجل، ولكن الجميع لاحظ أن رحيل البصري لم يغير مضمون الداخلية، رغم تعاقب شخصيات قادمة من مختلف المدارس السياسية والأكاديمية، على رأس هذه الوزارة، حيث ظلت المحاكمات خارج القانون والاختطاف والتعذيب قائما، وهو ما أكده قبل يومين تقرير الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان.

لكن، أن يعلق المحامي مصطفى الرميد على هذا التعيين بكونه "يعيد الأمور نسبيا إلى طبيعتها المعقولة" في تصريح ليومية "المساء" فهو أمر لا يمكن تصديقه وتقبله.
إن وجه "السفاهة" في تعليق الأستاذ الرميد، على تعيين الهمة هو انه كان من أشد داعمي حركة 20فبراير على مستوى النخب السياسية في البلد، خلافا للخلفي وبنكيران و نسبيا بوانو، بل إنه مشى في معظم مسيرات الحركة يتقدم شبابها وهو يردد معهم شعار "الهمة ديكاج" وطبعا لم تكن الحركة حزبا حتى تطالب الهمة فقط بالرحيل عن الحياة الحزبية بل كانت تريد رحيله عن الحياة السياسية بشكل عام وخاصة عن مربع القرار السياسي الضيق الذي دخله اليوم بفيتو ملكي.

إن موقف الرميد، الذي كان بحسب العديد من الملاحظين واحدا من النخب السياسية المنسجمة التي تتباهى بثبات يديها في وقت كثرت فيه الأيادي المرتجفة، يثير القلق والشك ويذكرنا بالسلوك السياسي للنخب التقليدانية المبني على إبداء الموقف ومعاكسته بنقيضه حتى ولو جاء الثاني بعد دقيقتين.
إن موقف الرميد من الهمة اليوم يحيلنا على المثل المغربي الدارج " ولاد عبد الواحد كلهم واحد".

مقالات ذات صلة