المناظرة الوطنيةلإصلاح منظومة العدالة بمراكش تحت شعار " جمعيا من اجل عدالة مستقلة ونزيهة وناجعة'


حقائق بريس
السبت 28 فبراير 2015





تحت شعار ” جميعا من أجل عدالة مستقلة ونزيهةوناجعة”،افتتحت صباح يوم الجمعة 27/02/2015 بمراكش أشغال المناظرة الوطنية حول إصلاح منظومة العدالة المنظمة من طرف الملتقى الوطني لمنظومة العدالة والتي استمرت أشغالها على مدى يومين بمشاركة العديد من الفعاليات المنظوية تحت لواء الملتقى الوطني لمنظومة العدالة، والعاملة في مجال العدل والحريات متمثلة في جمعية هيئات المحامين بالمغرب، الودادية الحسنية للقضاة، نادي قضاة المغرب، ودادية موظفي العدل، الهيئة الوطنية للموثقين بالمغرب، الهيئة الوطنية للعدول، الهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين والنقابة الديمقراطية للعدل.

:وكانت كلمة السيد وزير العدل والحريات خلال الجلسة الافتتاحية لهذه المناظرة الوطنية كما يلى

- السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض
- السيد رئيس جمعية هيئات المحامين
- السادة المسؤولون القضائيون والسادة النقباء
- السادة القضاة والسادة المحامون
- السادة رؤساء الهيئات الوطنية وممثلو المهن القضائية
حضرات السيدات والسادة:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
يسرني أن أتواجد بينكم اليوم، تلبية لدعوة كريمة من الهيئة الوطنية للملتقى الوطني لمنظومة العدالة للمشاركة في هذه المناظرة الوطنية الهامة التي يختزل شعارها كنه الإصلاح وجوهره، ويدعونا إلى التأمل في ما تم إنجازه، والتفكير في ما يمكن تطويره وبلورته للارتقاء المستمر بمستوى العدالة في بلادنا، والتي نريدها أن تكون مستقلة ونزيهة وناجعة.
الشكر موصول إلى كل الحاضرين من شتى المشارب الفكرية والمهنية التي نأمل فيهم خوض نقاش مثمر وبناء تتحقق منه الفائدة ونجني منه الغايات التي ننتظرها والأهداف التي ننشدها.

حضرات السيدات والسادة:
إن التأمّل في الموضوع الذي وقع عليه اختياركم، ليكون مجال التناظر في هذا اللقاء، يترجم مدى الوعي الذي يستشعره الجميع بأن رهان استقلال العدالة ونزاهتها ونجاعتها مسألة تهم كل أطياف المجتمع، وأن الكل مدعو للإسهام في إنجاح هذا الرهان، والانخراط فيه بضمير حي ومسؤولية راشدة.
فالعدالة دون استقلال ليست سوى تبعية مقيتة وانبطاح ممجوج، والعدالة دون نزاهة ليست سوى ظلم وجور وحيف، والعدالة دون نجاعة ليست سوى تسويف ومطل وخذلان.
ولا حاجة بي إلى الاستطراد في بيان ما يشكله هذا الثالوث الذهبي في ميزان العدالة، التي تعد إحدى الضرورات التي لا يستقيم المُلك ولا يصلح العمران إلا بها؛ فالعدل مألوف وبه قوام العالم كما يقول أرسطو، و الظلم مؤذن بخراب العمران كما يقول ابن خلدون.
حضرات السيدات والسادة:
لمّـا كان إيماننا راسخا بأن ورش الإصلاح كبيرٌ وغيرُ مسبوق، فقد كان لا بد من تجنيد كل الطاقات وتوفير كل الإمكانيات المتاحة على مستوى وزارة العدل والحريات من أجل الانخراط فيه بصدق، والنفاذ إليه بعمق.
ولما كانت الفكرة لا تَحْيَـــــــى بحق إلا من خلال تكريسها على أرض الواقع، وتجسيد مقتضياتها و تنزيلها التنزيل السليم الذي يضمن لها الفاعلية والاستمرار، فقد تجاوزنا مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ، بالشروع في وضع البناء التشريعي المؤسس لما تعرفه بلادنا من طفرة في المجال القضائي.
و هكذا، فعلى صعيد استقلال السلطة القضائية، رفع الدستور السقف عاليا وأنتج مقتضيات تضمن هذا الاستقلال بشكل يستجيب للمعايير الدولية، وهو ما عملنا على تجسيده من خلال مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، مسترشدين في ذلك بتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، وآخذين بنهج التشاور الواسع مع كافة المؤسسات والهيئات المعنية، ومع عموم القضاة والفاعلين في المحيط القضائي على مستوى كافة الجهات.
وأملنا كبير في أن يسهر البرلمان على الإبصام الإيجابي على هذين المشروعين بالتعديلات المفيدة، وبالمصادقة في الزمن الملائم حتى يتسنى إخراج المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى الوجود قريبا، ويكرس بذلك الاستقلال المؤسساتي للقضاء بعد أن كرسناه فعليا بشكل لا مراء فيه، وتكون بلادنا بذلك قد أعادت صياغة مؤسساتها طبقا لمتطلبات البناء الديمقراطي المؤسس على ثلاثية السلطات في إطار من الاستقلالية والتعاون والتوازن، كما ينص على ذلك الدستور، وفي سياق إصلاحات ناجعة تتأسس بتدرج وثبات برعاية ملكية حكيمة.
غير أنه لا يجوز أن يدفع الحماس لاستقلال السلطة القضائية البعض إلى تصورات لا أساس لها في الدستور، ولا تخدم في شيء عمق هذا الاستقلال؛ ذلك أن ما هو قضاء فهو قضاء، وما هو إدارة فهو إدارة...وكلاهما مرفقان لدولة واحدة يقوم عليهما كيانها في انسجام يتوخى مصلحة المواطن وتقديم خدمة العدالة على أحسن وجه، في إطار قاعدة الاستقلال والتوازن والتعاون، بعيدا عن منطق الصراع والنزاع.
حضرات السيدات والسادة:
إن المرحلة التي نعيشها ستشهد بلورة مشاريع قوانين تمثل ثورة تشريعية حقيقية عددا ونوعا؛ فبالإضافة إلى ما نحن عازمون عليه من إصدار مشروع القانون التنظيمي المفعل لمقتضيات الفصل 133 من الدستور، والمتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين أمام القضاء، قمنا بوضع مشروع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي، ومشروع قانون المسطرة المدنية، وكلاهما سيمثلان، بحول الله، طفرة نوعية في مجال ضمان النجاعة القضائية ستمكن من تجاوز كافة الإشكالات والمعوقات التي يعاني منها التقاضي، سواء من حيث قرب العدالة، أو حماية حقوق الدفاع، أو سرعة البت في القضايا...كما أننا قمنا، في إطار التفاعل البناء مع كل المقترحات الوجيهة، بتخصيص التحكيم والوساطة بنص خاص مستقل عن قانون المسطرة المدنية.
ومن جهة أخرى، وكما تعلمون، فإن مشروع قانون المسطرة الجنائية الذي أُنجز على الوجه الذي يضمن تطورا تشريعيا يُضاهي أحدث التشريعات الدولية قد تم الانتهاء منه، وهو الآن محل تداول الرأي بين وزارة العدل والحريات والأمانة العامة للحكومة. وبالنسبة لمشروع القانون الجنائي فقد تم الانتهاء من وضع صياغته، وسيتم الإعلان عنها قريبا قبيل تنظيم ندوة وطنية خلال الأسبوع الأول من شهر أبريل، وذلك لتلقي كافة الملاحظات والاقتراحات؛ ومنذ الآن أبشركم أن هذا النص تضمن أحدث النظريات الجنائية، وجل المطالب الحقوقية، وقنن الاتفاقيات الدولية، فضلا عما تضمنه الدستور واقترحه ميثاق إصلاح منظومة العدالة.
وكما تعلمون، حضرات السيدات والسادة، فإن هذه النصوص الوازنة تمت وتتم في تشاور تام مع كافة مكونات منظومة العدالة. وهنا يجدر التذكير أن التشاور يعني حسن الاستماع إلى الرأي الآخر، والاستفادة منه، وأخذ أحسنه "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، بما يخدم المواطن أولا، ثم بما يرفع شأن المهن ثانيا.
ولقد أكدتُ مرارا على أن المصالح الحقيقية للمهن لا يمكن أن تتناقض مع المصالح الحقيقية للمواطن؛ فحيثما كانت مصلحة المواطن فتم مصلحة المهن؛ هذا ما هداني إليه تأملي في كل ما اقترحناه من نصوص دون أن يعني ذلك أنها نصوص منزهة عن النقص، وخالية من العيوب. فكما تعلمون، فإن النص الواحد من مشاريع القوانين التي اقترحناها له العديد من النسخ تتغير وتتطور بقدر ما نتلقاه من مقترحات وجيهة، وما يعن لنا في إطار القراءة وإعادة القراءة من تحسينات وتصويبات ستظل تتوالى إلى أن تتم المصادقة على النص برلمانيا بحول الله، وسنبقى خلال الرحلة الطويلة والمضنية لهذه النصوص في الاستماع إليكم جميعا وإلى كل من يهمه الأمر حتى يتحقق فيها خير ما نرجوه جميعا من حسن الصياغة وجودة المضمون.
حضرات السيدات والسادة:
إضافة إلى النصوص الأساسية المذكورة هناك نصوص أخرى في طور الإنجاز، وهي في غاية الأهمية، ومنها: * مشروع قانون يعدل الكتاب الخامس من مدونة التجارة؛ * مشروع قانون بتعديل قانون صندوق التكافل العائلي؛ * مشروع قانون يتعلق بتعديل قانون كفالة الأطفال المهملين؛ * مشروع قانون يتعلق بالطب الشرعي؛ * مشروع قانون يتعلق بالنظام العام المطبق على مراكز الطفولة وإعادة الإدماج؛ * مشروع قانون يتعلق بالمصاريف القضائية في الميدان المدني والإداري والتجاري وأيضا الميدان الجنائي؛ * مشروع قانون يتعلق بالمساعدة القانونية والقضائية؛ * مشروع قانون يتعلق بتنظيم شهادة اللفيف؛ * مشروع قانون يتعلق بالمرصد الوطني للإجرام...إلى جانب مجموعة أخرى من النصوص القانونية التي تشكل ثورة تشريعية سيسجلها التاريخ بكل فخر واعتزاز لبلادنا.
حضرات السيدات والسادة:
في ختام هذه الكلمة لا يفوتني أن أذكر أن هذه السنة ستشهد، بحول الله، حوارا سنحرص على أن يكون بناء ومفيدا مع كافة المهن القضائية لإعادة صياغة القوانين المنظمة لها بما يتلاءم وحاجيات العدالة ومتطلبات التحديث، بدئاً بمهنة المحاماة ثم مهن المفوضين القضائيين والعدول والنساخ والموثقين والخبراء والتراجمة؛ وتأكدوا أن هذا الحوار الذي سنسترشد فيه بمقتضيات الدستور وميثاق إصلاح منظومة العدالة سينتج، بحول الله وعونه، تشريعات تؤطر المهن القضائية بما يخدم العدالة ويكرس المصالح المشروعة لأهلها وللمواطن المسخرون جميعا لتحقيق مصالحه في الحال وفي المآل.
إلا أن هذا الإصلاح برمته لن يكون ذا مفعول وقيمة إذا لم تتحلَّ جميع مكونات العدالة بما أسماه جلالة الملك، حفظه الله، بالضمير المسؤول؛ الضمير المسؤول، حضرات السيدات والسادة هو أساس الإصلاح وجوهره، وبدونه سيظل هذا الإصلاح، الذي نحن بصدده، مجرد نصوص غير ذات جدوى.
حضرات السيدات والسادة:
إن من دعائم إصلاح منظومة العدالة الاهتمام بكل الجوانب المتعلقة بالتخليق؛ فإذا كان تخليق القضاء أمرا لا يتأتى إلا بالانخراط الواعي والمسؤول لكل الفاعلين في الحقل القضائي، فإن النزاهة تعد فيه بمثابة الثمرة التي يتعذر جنيها إن لم تكن قطوفها دانية. وما يجعل هذه القطوف دانية هي مدى ما يتحلى به القاضي وكاتب الضبط والمحامي ومهنيو القضاء وباقي المعنيين من أخلاق مشرفة لا تعتريها المداراة في الحق.
فمهما يوضع من قوانين، ومهما يسن من ضوابط ومعايير، فالرهان الأول والأخير يبقى هو العنصر البشري الذي ينبغي أن تتوفر فيه شروط ومقومات النزاهة بما يعنيه ذلك من شرف الذمة، وعفة النفس، وصحوة الضمير.
أتمنى مجددا لأشغال هذا الملتقى الهام كامل التوفيق والسداد، والنجاح والرشاد.
فالله نسأل أن يجعلنا "من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، إنه على ذلك قدير، وبالاستجابة جدير.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

:كما القى بالمناسبة السيد مصطفى فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض كلمة جاء فيها

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السيد وزير العدل والحريات
السيد رئيس جمعية هيئة المحامين بالمغرب
السيد نقيب هيئة المحامين بمراكش
زميلاتي زملائي الأفاضل
الأساتذة الكرام
الحضور الكريم؛
اسمحوا لي في مستهل هذه الكلمة أن أعبر لكم عن اعتزازي الكبير بدعوتكم الكريمة لحضور هذا اللقاء إلى جانب نخبة متميزة من أسرة العدالة، من أجل تبادل الرؤى والتأسيس لحوار جدي منتج بخصوص مواضيع ذات راهنية كبرى.
مواضيع وإن كانت تحمل عدة تحديات وتفرض الكثير من التساؤلات وتفرز مجموعة من المقاربات والمناهج المختلفة، لكنها في نفس الآن توحدنا كأسرة عدالة بقيم سامية ورسالة واحدة ومصير مشترك.
واسمحوا لي في هذا المقام أن أشد بحرارة على أيدي المنظمين الذين اختاروا لهذا اللقاء شعاراً معبراً اختزل الكثير من الدلالات العميقة من خلال مفردات قليلة، شعارٌ كلمته المفتاح هي عبارة "جميعا"، كلمة تؤكد على المسؤولية المشتركة وتعبر على ضرورة فتح الباب واسعا أمام المقاربات التشاركية والحوار الموضوعي المسؤول.
فالشكر إذن لجميع من ساهم في التفكير والإعداد والحضور والمشاركة لإنجاح هذه المناظرة الوطنية الهامة المتميزة.
الحضور الكريم؛
لقد راكمت بلادنا زخما معرفيا ورصيداً هاما من النصوص والوثائق والدراسات والاجتهادات العملية والمهنية بفضل الأوراش الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين، وهو ما يخولنا بكل تأكيد القول أننا تجاوزنا مرحلة تشخيص مكامن الاختلالات التي قد تعرقل مسار إصلاح العدالة وتحول دون بلوغها المستويات والأهداف الكبرى المطلوب تحقيقها.
لقد أصبح مطلوبا منا الآن تجاوز أي مقاربة انتظارية ومترددة والحسم في الخيارات بشكل يتلائم مع الخطوات الكبرى التي خطتها بلادنا نحو إرساء دولة الحق والمؤسسات، بفضل دستور 2011 الذي أكد المغاربة من خلاله تطلعهم للمستقبل بكثير من الثقة والأمل في تكريس سلطة قضائية تتوفر على كافة ضمانات الاستقلال الحقيقي الواضح في بعديه الفردي والمؤسسي.
استقلال يشكل في المقام الأول والأخير حقا للمواطن وملاذا له من كل تعسف أو حيف.
سلطة يريدها الجميع قريبة إنسانيا وحقوقيا وقانونيا ولوجيستيكيا من المتقاضين، عدالة تكرس الأمن القضائي والقانوني بشكل ملموس حقيقي، تحمي الحريات، وتضمن الحقوق للأفراد والجماعات في ظل محاكمات عادلة وداخل آجال معقولة.
إن سؤال الاستقلال الذي أعلنتم عنه أيها السيدات والسادة الأفاضل كشعار لهذا اللقاء ينتظر الحسم فيه هذه السنة في اختبار حقيقي موضوع أمام السلطة التشريعية التي ستناقش مشاريع قوانين من الأهمية بمكان تتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة وبعدهما قوانين المسطرة المدنية والجنائية والتنظيم القضائي، وهي مشاريع نصوص تقتضي منا التعامل معها ومناقشتها بكل مسؤولية وطنية ونظرة مستقبلية بحمولة حقوقية كبرى تنسجم مع الدستور وخيارات المملكة وتتلائم بالخصوص مع الدلالات العميقة للخطاب الملكي التاريخي الذي سنحتفل بذكراه الرابعة في التاسع من مارس القادم والذي أكد فيه جلالته على سبعة مرتكزات أساسية ضرورية للوصول إلى النموذج المغربي التنموي المتفرد ومنها الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة وتوطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها.
ولنا اليقين جميعا أن أسرة القضاء بكل مقوماتها الكبرى قادرة بعون الله على كسب هذا التحدي وأن تكون في مستوى هذه الثقة السامية.
الحضور الكريم؛
إذا كانت مكونات العدالة مطالبة مبدئيا بتخليق الحياة العامة والسهر على نفاذ وسيادة القانون والمساواة أمامه، إلا أن هذه الالتزامات لا يمكن تصور تحقيقها إلا إذا كان القائمون عليها حريصون على التشبت بها وتطبيقها على أنفسهم أولا، ومن ثمة فإن مختلف التجارب العالمية المقارنة أو النصوص المنظمة لمهنيي العدالة ببلادنا تتضمن شروطا والتزامات ذي حمولة أخلاقية ملزمة، كما أن مخرجات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة أكدت بدورها على أهمية وجود مدونات سلوك تؤطر عمل منظومة العدالة دون استثناء.
ومع تنزيهنا للجميع وتقديرنا للجهود المبذولة من طرف الإطارات التنظيمية المهنية إلا أن الواقع اليومي يفرز لنا عدة ممارسات لا يمكن أبدا السكوت عنها أو التطبيع معها كيفما كانت المبررات أو المسميات.
إن القيم الكبرى والسلوكات الفضلى ليست شرفا أو هدفا مثاليا داخل أسرة العدالة بل يجب أن تكون ممارسة يومية ومنهج عمل من خلال عدة مداخل وقائية وأخرى ردعية نكرسها بالملموس دون محاباة أو مجاملة أو تحيز فئوي.
أيها السيدات والسادة؛
إنه ميزان العدالة الذي لا يستقيم إلا بنزاهة جميع مكونات هذه الأسرة من قضاة ومحامين وكتابة ضبط ومفوضين وخبراء وعدول وموثقين وضابطة قضائية.
إن أي خلل أخلاقي أو خدش في نزاهة إحدى هذه الحلقات المترابطة من شأنه المساس بكل يقين بالثقة الواجبة وينعكس سلبا على صورة القضاء والعدالة في نهاية المطاف.
والأكيد أننا أمام رهان استراتيجي عام يجب أن يكون موضوع تفكير مجتمعي عميق بمقاربة تشاركية لبلورة خطة وطنية شاملة تضع اللبنات الأساسية لمحاربة كافة مظاهر الانحراف في السلوك الإداري والمهني للأفراد الموكول لهم القيام بمهام تدخل في إطار مفهوم المرفق العام أو الخدمة العامة.
الحضور الكريم؛
إن التسلسل المنطقي لشعار هذا الملتقى يفرز معطى أساسي هو أن الاستقلال مرتبط بالنزاهة وهما معا لا يستقيمان دون استحضار لآليات النجاعة والتدبير المحكم لمرفق العدالة وتنفيذا لالتزامات دستورية واجبة وضرورية لمجتمع الحرية والكرامة والمواطنة، نجاعة حاولنا مثلا على مستوى محكمة النقض توفير بعض شروطها بكل موضوعية - رغم محدودية الإمكانات المتاحة - وذلك من خلال حكامة إدارية وقضائية ومقاربة تشاركية مع كافة المكونات، ومؤطرة بمخطط استراتيجي محدد الأهداف والرؤيا والرسالة والإجراءات والمدة الزمنية، مما جعلنا نصل بتوفيق من الله إلى أرقام جد مشجعة بمعايير دولية أعلنا عنها بمناسبة افتتاح السنة القضائية و بمختلف تقاريرنا السنوية والدورية.
لكن واقع العدل ببلادنا يفرز للأسف عدة معطيات واختلالات يجب علينا "جميعا" مواجهتها من خلال تعبئة الموارد اللازمة المخصصة للسلطة القضائية وتحسين ظروف اشتغال العاملين بقطاع العدالة، وإعداد برامج في مجال التكوين الأساسي والتخصصي والمستمر وتحديث وتقوية بنية المحاكم وضمان كافة آليات ولوج المتقاضين للعدالة وللقانون ومعالجة معضلتي التبليغ والتنفيذ.
والأكيد أن هذا اللقاء والحضور الوازن سيتيح لنا بلورة أفكار وتطبيقات عملية تدفع بهذا الورش الهام خطوات متقدمة ملموسة في مسار الإصلاح الطويل والشاق.
وفي الختام؛
فإني أجدد الشكر والامتنان للجميع مؤكدا على أهمية استمرار مثل هذه الآليات التواصلية بكل مواطنة وضمير مسؤول باعتبارها رافدا أساسيا لتنمية الرأسمال اللامادي لأسرة العدالة، متمنيا لأشغال هذه المناظرة التوفيق والنجاح والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

مقالات ذات صلة