انتفاضة 23 مارس 1965... حدث غيّر مسار الكثير من المغاربة


إدريس ولد القابلة
الاثنين 23 مارس 2015






"23مارس1965" محطة كواحدة ملحمية نضالية سجلها التاريخ اعترافا بالتضحيات الكبيرة للشعب المغربي و في مقدمته الشبيبة المدرسية من اجل الكرامة ،و ضد تكريس سياسة إقصائية في مجال التعليم. مما أدى إلى اندلاع احتجاجات قوية شملت كل الفئات الشعبية المتضررة من السياسات اللاوطنية، خلفت العديد من الشهداء و الجرحى والمعتقلين. لقد تشكلت بداية الانتفاضات الاجتماعية والسياسية بالبلاد.

حدث غيّر مسار الكثير من المغاربة
قال مصطفى المعتصم - واحد من السياسيين الستة الذين وجهت إليهم تهم ثقيلة في ملف خلية بلعيرج -: "سبب سوف يعطي دفعة قوية لوعيي السياسي المبكر، وهو الأثر العميق الذي حفرته بداخلي انتفاضة 23 مارس 1965 في الدار البيضاء. وأنا في الحادية عشرة من عمري، خرجت من المدرسة بعد انتشار الاحتجاجات بشكل عنيف، برفقة أحد أبناء الجيران، اسمه العائلي حداد، وبينما نحن في بهو أحد منازل درب «گريگوان»، بدأت الأحداث تتطور بسرعة وتدخل الجيش ولعلع صوت الرصاص، وللحظة أطلت والدة صديقي، الطفل حداد، من منزلها لحث ابنها على الدخول فأصابتها رصاصة فجرت رأسها وشتـّتت دماغها، على مرأى منا، أنا وابنها وأطفال آخرين. هذه الذكرى اعتملت فيَّ ووشمت في دواخلي علامات دفعتني أكثر نحو العمل السياسي. إن رصاصة فجرت رأس والدة صديقه خلال انتفاضة 23 مارس 1965 دفعته وهو طفل إلى العمل السياسي".
وقال شاهد عيان: " سمعت الطلقة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة... ظننت أنها طلقات الكاواتشو وليس رصاصات حقيقية... لكن بعد لحظة تأكدت أنها طلقات رصاص حقيقية عندما شاهدت بعض رفاقي يتساقطون الواحد تلو الآخر.
وقال آخر: " ما حدث يوم 23 مارس 1965 لم تكن ثورة بالمعنى الثقافي للكلمة، إنها انتفاضة اجتماعية، سببها شعور عميق باليأس والإحباط... هجمت جموع الجماهير على بعض المحلات وعلى البنايات العمومية... لكن قمع الجيش كان بدون حدود"

منعطف هام في المسار المغربي
جاءت انتفاضة 23 مارس في سنة 1965 في وقت كان المغرب يعيش مخاضا سياسيا استثنائيا. وقد شكلت الشرارة المباشرة مذكرة غريبة لوزارة التربية الوطنية التي كان يديرها آنذاك يوسف بلعباس، إذ حرمت التلاميذ الذين يفوق سنهم 17 سنة من السلك الثاني الثانوي. وبدأت الاحتجاجات في منتصف فبراير واشتدت في مختلف القطاعات، لكن احتجاجات التلاميذ كانت الأكثر قوة، وتحولت إلى الشرارة التي أشعلت يوم 22 مارس ثم اليوم الموالي 23 مارس عندما ثارت جماهير مدينة الدار البيضاء للمطالبة بالعيش الكريم والإفراج عن المعتقلين السياسيين والتلاميذ والطلبة. وانتقلت شرارة الإضراب إلى مدن مثل الرباط وفاس ومكناس ومراكش وتازة وخريبكة. هذا علاوة على اقتحام الطلبة المغاربة للسفارات المغربية في كل من الجزائر العاصمة وموسكو وباريس وبلغراد كشكل احتجاجي.
وكان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب قد لعب دورا رئيسيا في تحريك الشارع السياسي المغربي رغم محدودية الجامعة وقتها وتمركزها في مدن معينة إلا أن نفوذ المنظمة الطلابية كان قويا في أوساط الشبيبة المدرسية وامتد إلى بعض التنظيمات النقابية.
ويبقى يوم 23 مارس المنعطف الأساسي في مسار المغرب، لأنه في ذلك اليوم فتح الجيش المغربي النار على الجماهير المحتجة، وأبرزت شهادات لشخصيات عاصرت تلك الفترة "امتطاء الجنرال محمد أوفقير طائرة مروحية وفتح النار على المتظاهرين"، ويجهل حتى اليوم الرقم الحقيقي للضحايا.

إنه أول اصطدام حقيقي بين النظام والشعب بعدما تم إصدار الأمر للجيش بفتح النار على المتظاهرين السلميين. كما شكل ذلك اليوم الدامي في تاريخ البلاد مناسبة ملموسة لمعاينة عن كثب خيبة أمل المغاربة في الاستقلال، حيث بدأ الحديث بقوة عن الاستقلال الشكلي لاسيما بعدما اعتمد النظام على عناصر كانت عميلة للاستعمار الفرنسي وأبناء الخونة في مواجهة الوطنيين.
كما شكلت هذه الانتفاضة الشعبية مفصلا تاريخيا لبروز البوادر التأسيسية لليسار الجديد الذي سينفصل عن اليسار الكلاسيكي مثل الحزب الشيوعي وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. آنذاك تأكد بوضوح منحى الرهان على الاستفراد بالسلطة بعد حل البرلمان والدخول في حالة الاستثناء بكل ما سيحمله من فساد سياسي ومالي وانقلابات وأجواء من التوتر ستستمر حتى بداية التسعينات.
كانت انتفاضة 23 مارس 1965 انطلاق مسلسل الانتفاضات الاجتماعية غير المؤطرة من طرف الأحزاب السياسية الكلاسيكية، الأمر الذي سيتكرر في عشرات المدن وأبرزها انتفاضات الدار البيضاء سنتي 1979 و1981 ومدن الشمال مثل تطوان سنة 1984 وفاس وطنجة سنة 1990 ثم الانتفاضات في العيون وسيدي إيفني وصفرو وغيرها.
إنها أعلنت عن الطلاق الحاصل بين السياسات المعتمدة والتطلعات الشعبية وانتظارات المغاربة.

الظرفية العامة

إن الوضع العام آنظاك لم يكن ليولد سوى الانفجار سنة 1965..فبعد التراجع عن شتى المكتسبات التي حققتها الجماهير الشعبية بتضحياتها وبنضلاتها وبكدحها اليومي، وعلى رأسها الحق في التعليم ليستفيد منه أبناء تلك الجماهير بعد أن دأب الاستعمار المباشرعلى حرمانهم منه , وبعد توقيف العمل بالمخطط الخماسي الذي كان يسعى للحفاظ على تلك المكتسبات عبر تكوين الأطر وتوسيع التعليم , والإعلان الرسمي عن إلغاء حق التلاميذ الذين تجاوزوا سنا معينا في الالتحاق بالتعليم الثانوي، لم يبق أمام التلاميذ والطلبة سوى الخروج إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم للتجهيل والفقر والقمع، والتحقت بهم باقي الجماهير الشعبية وهي تختزن كل السخط والغضب على واقعها المزري والمتردي.
لقد استمرت انتفاضة 23مارس 1965 زهاء أسبوع، وكانت إعلانا صريحا لتحطم كل الأوهام الإصلاحية التي كرستها ممارسات أغلب الأحزاب آنذاك . إنه إعلان واضح على الانهيار الشامل لكل الآمال التي كانت تعلقها الجماهير الشعبية على مرحلة ما بعد 1956 -أي ما بعد الاستقلال – آنذاك برزت بقوة مقولة " الاستعمار خرج من الباب ...وعاد عبر النافذة ".
آنذاك عمد القائمون على الأمور إلى إغراق هذه الانتفاضة الشعبية السلمية في الدم، ومع تدهور الأوضاع سيتم الإعلان في 7أبريل 1965 عن تعليق الدستور حالة الاستثناء، ومن المفارقات الغريبة فعلا أنه قيل تم اللجوء إلى هذه الإجراءات من أجل حماية المؤسسات الدستورية، كأن هذه المؤسسات غربة فعلا عن أوسع فئات الشعب المغربي. وفعلا كانت كذلك بالتمام والكمال، لأنها لم تكن تعبّر بالمرّة عن تلك الجماهير المنتفضة ومصالحها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وكانت مذكرة وزير التربية الوطنية المتعلقة بتوجيه التلاميذ الصادرة في 9 فبراير 1965 النقطة التي أفاضت الكأس، في ظل اشتداد الهجوم الشرس على قوت أوسع الفئات الشعبية بفعل سيطرة عملاء الاستعمار وأبناء الخونة على خيارات الشعب المغربي الذي كان يطمح إلى الاستقلال الاجتماعي الوطني لا أن يظفر هؤلاء بكل شيء ويحولوا البلاد إلى حديقة خلفية للاحتكارات يتمرغون في نعيم عائداتها على حساب السواد الأعظم من المغاربة.

فماذا حدث يوم 23 مارس 1965؟
كانت البداية بملعب ثانوية الخامس بالدار البيضاء. وكان يوماً ربيعياً لم يكن تصور أحد أن يكون يوماً دموياً بامتياز.
45 سنة ونيف مرّت ولازالت الحقيقة، كل الحقيقة عن أحداث 23 مارس 1965 لم تكشف بعد. لازالت هناك جملة من التساؤلات بدون أجوبة واضحة: كم هو عدد الضحايا؟ كيف تصرفت الجماهير الشعبية بالدار البيضاء؟ ما هو دور الأحزاب ودرجة مسؤولية الفاعلين السياسيين آنذاك؟
لكن الأكيد هو أن يوم 23 مارس 1965 أضحى محطة تاريخية ومرجعاً كرونولوجيا أساسيا بالنسبة لتاريخ المغرب المعاصر.

في منتصف شهر مارس 1965 اتصل وفد من أ.و.ط.م بالتلاميذ لتشجيعهم على التصدي للمذكرة الوزارية ومواجهتها.
آنذاك رغم الروابط بين حركة الشبيبة المدرسية والحركة الطلابية، فإن الأولى كانت عادة تتحرك بكل استقلالية في مسارها النضالي.
وفي يوم 22 مارس 1965 تجمع التلاميذ بملعب ثانوية محمد الخامس. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً وكان الملعب غاصاً بجماهير التلاميذ (ما يناهز 15 ألف تلميذ أتوا من جميع أنحاء المدينة ومؤسساتها حسب بعض شهود عيان)، للتنديد بالمذكرة الوزارية. ثم قرر التلاميذ الخروج في مسيرة في اتجاه مندوبية التعليم بالدار البيضاء. وكان هدفهم هو إثارة انتباه القائمين على الأمور إلى ما يعتبرونه انتهاكا لحق وطني أكيد: الحق في التعليم العمومي.
خرجت المسيرة وقبل وصولها إلى المركز الثقافي الفرنسي، تدخلت قوات الأمن لتفريق المتظاهرين. وكان تدخلها عنيفاً جداً، الشيء الذي دفع المتظاهرين إلى التوجه نحو الأحياء الشعبية لاستقطاب سكانها لدعم المظاهرة. في ذلك اليوم ثم الاتفاق بين التلاميذ والعاطلين وشباب الأحياء الشعبية وسكانها على الالتقاء بملعب ثانوية محمد الخامس صباح يوم غد.
وفي يوم 23 مارس 1965 كان التجمع بالثانوية وانطلق المتظاهرون في اتجاه درب السلطان، معقل الطبقة العاملة آنذاك بالدار البيضاء، ثم إلى باب مراكش ومنه إلى المدينة القديمة. إلا أنه هذه المرّة لم يقتصر المتظاهرون على رفع الشعارات والتنديد، وإنما هجم البعض على بعض المجلات التجارية، ورشقوا الحافلات بالحجارة وأشعلوا النار في بعض السيارات. وما هي إلا لحظة حتى وجد المتظاهرون أنفسهم وجهاً لوجه أمام الجيش والدبابات الآتية من مديونة والتي انتشرت في مختلف الشوارع الكبرى للمدينة التي ظلت تعرف فوراناً جماهيرياً.
وفي الساعة الثالثة زوالاً تلقى الجيش أوامر لإطلاق النار على المتظاهرين وبدأ بعضهم يتساقطون على الأرض.
دفعت الأوضاع الاجتماعية المزرية ساكنة الدار البيضاء إلى النزول إلى الشارع ، إذ إن كثافة السكان الكبير داخل المدينة و البطالة و البؤس المتزايد من جهة ، و الاغتناء اللامشروع و الفساد المتفشي و القمع من جهة أخرى ، كلها شكلت وضعا قابلا للانفجار . فقد وجدت مدن الصفيح بالدار البيضاء نفسها تحت وطأة البؤس و المهانة وألقت بإحباطها في وجه القلة المحظوظة .
آنذاك كان أوفقير وزير الداخلية منذ غشت 1964، في حين أصبح الدليمي و في اللحظة نفسها المدير العام للأمن الوطني. إذ وضع رهن إشارته مجموعات من المدرعات على المحاور الإستراتيجية بالمدينة . فكان المتظاهرون و هم في أغلبهم من تلاميذ المدارس الثانوية ومن العمال يحصدهم رصاص الرشاشات التي و ضعت في الأزقة ، و يحصدهم كذلك رصاص طائرة مروحية كانت تحلق فوق رؤوس المتظاهرين . لم يكن القناص الماهر الذي كان في طائرة الهليكوبتير سوى أوفقير نفسه . وغدت الدار البيضاء مدينة محاصرة ، و امتلأت المقابر الجماعية وبلغ إحباط الشعب أقصى مداه .
كم عدد الضحايا؟ إلى حد الآن ظل مجهولا.
وبعد هذه الأحداث أصدر الملك الحسن الثاني العفو عن كل من مومن الديوري والفقيه البصري اللذين أفرجا عنهما في أبريل. وفي ذات الوقت تم إعدام عناصر كومندو حاولوا التسلل إلى المغرب عبر الجزائر.
وفي خضم هذه الأحداث التقى الملك بمدينة إفران بوفد عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كان من ضمنه عبد الرحيم بوعبيد وعبد الحميد الزموري وعبد الرحمان اليوسفي واقترح عليهم تشكيل الحكومة.
وقد قيل أن عبد الرحيم بوعبيد أخبر المهدي بنبركة بالأمر، والذي قبله معلقاً " سنعمل معه كما فعلنا مع والده".
وبعد ذلك بعث الملك مبعوثه إلى المهدي بنبركة لعرض عليه العودة إلى البلاد. آنذاك كان المهدي بنبركة منهمكاً في الإعداد لمؤتمر القارات الثلاث الذي كان مقرراً عقده بلاها فان بكوبا.
وفي يونيو 1965 كان الإعلان عن حالة الطوارئ وفي 29 أكتوبر من نفس السنة كان اختطافه المهدي بنبركة واغتياله بباريس.

تسلسل الأحداث

22 مارس : مظاهرات التلاميذ في التعليم الثانوي بالدار البيضاء وباقي مدن المغرب، اعتقالات بالدار البيضاء : اكثر من 700 معتقل .
23 مارس : إضراب عام للتلاميذ بالسلكين الأول والثاني من الثانوي بمدينة فاس.
بالدار البيضاء جمعيات آباء التلاميذ تساند مطالب المتظاهرين وتقديم عرائض موقعة الى مفتشي التربية الوطنية .
البوليس يرد على المظاهرات السلمية بقمع أعمى ، معززا بالمدرعات التابعة للجيش الملكي .
المتظاهرون يحاصرون مقرات البوليس والسجن حيث يوجد معتقلو مظاهرات 22 مارس
المتظاهرون يقتلعون أعمدة الكهرباء والأشجار لإقامة المتاريس في نهاية هذا اليوم بلغ عدد المعتقلين 2000 .
مظاهرة كبرى في الرباط في الأحياء الشعبية وجوار وزارة التعليم واعتقال كافة المسؤولين الطلابيين ومنهم أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب .
24 مارس : بطلب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية : تكوين لجنة تقصي الحقائق لكن رفض انتقالها الى أماكن الأحداث .
مظاهرات جديدة في الدار البيضاء والرباط وفاس واعتقالات بالمئات واستمرار إطلاق النار على المتظاهرين في البيضاء .
المحاكم تصدر أحكامها على المعتقلين بالبيضاء وفاس . وحدات الجيش تجوب الشوارع الخالية . الدكاكين مغلقة .
25 مارس : استمرار المظاهرات في مدن عديدة : الرباط وفاس وبني ملال وتازة واسفي وسطات وخريبكة …
في فاس الاضراب عام واقتحام الحي الجامعي واعتقال 1000 شاب .
26 مارس : مظاهرة طلبة جامعة بن يوسف بمراكش مئآت الجرحى .
الطلبة المغاربة بالخارج يحتلون السفارة بالجزائر وكذا في باريس وبلغراد وموسكو . ومظاهرات الطلاب المغاربة في بغداد والقاهرة .
5 ابريل : مهرجان تضامني بباريس نظمته اللجنة العالمية للتضامن مع الطلبة والشعب المغربي
27 مارس : إعدام 14 وطنيا المحكومين بالإعدام في يوليوز 1964 بعد الأحداث التي شهدها شرق المغرب
29 مارس : خطاب الملك
30 مارس مظاهرات شعبية بفاس للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين
الشرطة تواصل حملة اعتقال التلاميذ والطلاب وآبائهم .
10 ابريل الملك يستقبل عبد الرحيم بوعبيد في افران
13 إبريل : الملك يعلن العفو عن سجناء ما عرف بمؤامرة يوليوز 1963
7 يونيو : إعلان حالة الاستثناء بمرسوم ملكي
29 أكتوبر : اختطاف واغتيال المهدي بنبركة .

مقالات ذات صلة