تهافت "نخب النضال" بين الفصام و الفطام

مدرسة المشاغبين نموذجا


عبد الغفار الموفق الادريسي
الخميس 20 شتنبر 2012



"إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره ، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه " علي بن أبي طالب
" أضر الأشياء بالإنسان رضاه عن نفسه " سقراط
« Il faut cultiver son jardin » VOLTAIRE




- العيش على النوستالجيا الخادعة : الفصام

يولد الحنين للماضي حالة من الركون المرضي إلى تفسير الواقع بأثر رجعي و إلباس الحاضر – و إن كان بئيسا – جبة الأمجاد الآفلة و الانتصارات السابقة و الراسخة في اللاوعي و الوجدان . فيعيش المرء حالة شيزوفرينيا صامتة ، تتجلى أحيانا ذهانا عصابيا تترجمه نوبات سعار أو جذبات وشطحات تنزه الذات و تطعن في الموضوع حد التبخيس . الحنين المرضي للماضي خنجر مسموم من خناجر مقاتلي اليابان الذين ينتحرون بطريقة "الهاريكاري " الشهيرة . الحنين المرضي الى الماضي باب من أبواب جهنم على أرض الله الواسعة ، و ضرب من ضروب جلد الذات النرجسية عوض إعادة البعث الفينيقي ( من طائر الفينيق ) حينما يبدو الأفق منسدا و المرحلة – بتعبير الرفاق – خطيرة .
لا أحد يمكنه الافلات من كماشة النوستالجيا ، بسرير أحلامها الوثيرتارة، و المنقلب أشواكا حادة تارات كثيرة ، فلا مندوحة في عيش أحلام الزمن الجميل و التغني ببطولاته داخل إطارات محدودة و في أزمنة و أمكنة معقولة، بيد ان التمترس في قوقعتها فكرا و عقلا و الغوص في وحل العفونة جسدا و روحا يجلب لصاحبه مذمة القريب قبل ازدراء و نكاية البعيد . فيتولد لديه نوع من الفصام : وجه بشوش صبوح يلقى به الناس و ضمنهم أبطال رواية الزمن الجميل ، و وجه عبوس قمطرير يراه في المرآة كلما اختلى بنفسه . و الأنكى من ذلك قدرة منقطعة النظير على الجمع بين النقيضين و مازوشية عمياء في تعذيب الذات بحثا عن إصلاح صورة مشروخة و تبرير هزيمة اقتضتها إغراءات "المرحلة" ، هزيمة بطعم الانتصار إن حسبناها بمنطق الدرهم المدعم و الثقافة الموبوءة .
فالصورة المشروخة استوجبت أدوات تدخل جديدة -و ان كان بمنطق خصوم الأمس القريب - بغية إعادة لم الأجزاء و لو بغراء فاسد مضمونا لا شكلا .و تسويقها وسط أبطال الرواية - شخوصا رئيسيين كانوا أم كومبارسا – ، خصوم الأمس لعبوا دور البطولة في مسرحية الزمن الرديء لكنهم أكلوا الغلة و سبوا الملة و صاروا يعزفون على وترالفصام بتقبيل الوجه الصبوح نهارا والاتجار بعيوب الوجه العبوس ليلا عند خبراء التجميل .
العلاج في هذه الحالة سهل ممتنع ، يتراءى للمريض في أحلام يقظته لكنه يتمنع وسط تجاذبات نداء الضمير المكلوم و هتاف النفس الجشعة .

- " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " : الفطام

الفطام علاج من يمص الأثداء الفارغة ، الفطام مرور صريح الى الضفة الأخرى دون الدوس على رقاب أبطال رواية الزمن الجميل ، يكفيهم أنهم عبدوا الطريق عن غير وعي لمن أراد قطف ثمار النضال و المتاجرة الحقيقية بتراكماته، و استثمار الرصيد الجمعي لمصلحة ذاتية ضيقة قصيرة حد القزامة ، يكفيهم جرح السيف الذي أفنوا ردحا من الزمن يصقلونه و يلمعونه ليمارس التغيير فيهم بطريقة أخرى ويناضل عبر ثقافة القرب و القربان و التواصل و الممارسة والضريبة المدعمة، يكفيهم عقوق الأخ المدلل السائر على درب البلادة، يكفيهم جحود الصديق و مرارة الفناجين المرتشفة اضطرارا على رصيف "المرحلة " الراكدة على وقع الفصام و الذهان و البسيكوباتيا ،أو لنقل إجمالا على رصيف الزمن الرديء .
في النضال أبيض و أسود : قد تكون ما نيكانية متجاوزة و ثنائية منبوذة لكنها تصلح "للمرحلة " ،فلا يصح ان يضع المرء رجلا في مملكة النزاهة و التقوى و رجلا أخرى في جمهورية العفونة و الرداءة .
آخر العلاج الكي أو البتر ، و الفطام علاج الفصاميين من أهل النخبة المتجذرين على الرجال و المنبطحين لربات الحجال، الفطام علاج من آهات أمام مرآة الزمن و التاريخ ، دواء من هلوسات المجد الضائع و البطولات المجهضة على صخرة قصر النفس و طمع الانعتاق المنقوص المبتور .
الحاكم الكافر العادل أصلح للناس من الحاكم المؤمن الجائر ، و العدو في خندقه أسلم من الحليف المنافق الذي يوارب الباب حبا و يوصده ضغينة عمياء تقتل العناكب في أعشاشها و تجهض الحوامل في هود جها .
إما ثدي الأم المدرار أو رضاعه الزقوم ، بينهما برزخ لا يبغيان بينهما ما بين الأبيض و الأسود، ما بين الإيمان والكفر، ما بين التجذر و الانبطاح ،أما مزجهما فهو خليط هجين يضر الشاربين و يكدر صفو الجادين المجتهدين و لا يسر الناظرين .

- ما بين مدرسة النضال و مدرسة الانبطاح لا مكان لمدرسة المشاغبين

ترى البعض ممن أخذته العزة بالإثم يتهافتون على تقبيل القفازات البيضاء ليلا حينما تجتمع عليه القوم على أموال اليتامى اجتماع أكله القصعة ،و يعيبون على الآخرين ارتداء القفازات درءا لشر زمهرير " المرحلة " ، و تراهم يبحثون عن النصير وسط مقابر الأحياء كمن يحضر لمعركة المصير فلا يلوون إلا على الخشب المسندة و الأعجاز الخاوية ، بئس المسعى و بئس النصير و بئس المصير . ترصدهم يترنحون يمينا و شمالا كالمصابين بالإسهال الباحثين عن بيت الراحة : ألا لا راحة إلا راحة القلوب ، فلا فضت أفواه الزاعمين الطهرانيين العدميين التي خدشت شعور الأحرار و حلقت شعر الأبرار حتى سبحوا في النهر مرتين، و لا بترت راحات النصر و لا أوذيت أحواض الجالسين على رصيف المقاهي النمامين بالحق، المعبئين الفاشلين في إسقاط عشرة أنفار في شباك الحب السرمدي للحرية .
هذا البعض هم رواد مدرسة المشاغبين الجدد ممن لفظتهم مدرسة العشرين حرا و العشرين كريما و العشرين باحثا عن العدل إبان الجمع . هم نزر قليل ، لم تجد به مقلاة النسر – كما قال كثيرعزة – وإنما سقطوا سهوا من سلة البيض لخفة وزنهم و بلوغ أوان فقسهم في غياب الديك الضامن شهادة ميلاد الكتاكيت ، فلم يفح من بيضهم غير النتانة و الصديد الذي لا يشبه في شيء ترهات و سباب الزمن الجميل .
كثير من الناس لا يكن ضغينة للبعض ممن مر الى الضفة الأخرى دون ان يثير الضجة و يتعنتر لابسا جبة الأتقياء موظفا دروس الماضي في استجداء رضى الجلادين عسى أن يظفر بمكان بين ظهرانيهم ، كثر هم لكنهم مروا مرور الكرام و قلبوا الصفحة دون ان يقلبوا المواجع ، بل منهم من قال ها أنذا معهم و لم يصبح جلادا فحظي بالاحترام و التقدير كما حظي به كثيرون ممن اختاروا منذ البداية الاستقرار على ضفة الخير المنزوع فأكلوا السحت لكنهم تحلوا بصفات الأحرار واعترفوا بذنبهم و هم لا محالة تائبون .

مقالات ذات صلة