تابعت مرغما، كما الجميع، هرطقات صادرة عن منتسبين (سلوكيا) لما سمي إذعانا، في زمن يوشك على المضي، حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الرحامنة (كما إخوانه في الرضاعة ضمن التاريخ السياسي الحديث)، وأسميها كذلك ليس لعدم احترامي لهذا التجمع من البشر، الذي يبدو أن تجمعاته بعيدة عن بناء تنظيم وكيان مستقل (فمعلوم فصل المجتمع السياسي عن الدولة كشرط للديمقراطية)، بل لأنها تناقض جوهر ما يسوقون له على أساس اعتباره ورقة مذهبية من جهة، وما يعدونه شعارات معلنة تخفي ما استتر من جهة أخرى.
أولا: تناقضات (حزب) الأصالة والمعاصرة بين الخطاب والممارسة
ومن ضمن ذلك قول أحدهم أن منتقدي هذا التجمع، ليسوا إلا فشلة في بناء تنظيماتهم، فيحاولون التشويش على تنظيمهم هذا... نقول تفاعلا مع هذا الادعاء، وذلك انطلاقا من الفصل 7 من الدستور المغربي، فنطرح أسئلة:
بما أن هذا التنظيم ناجح، بالنظر والمقارنة مع نظرائه، فهل يمكن اعتبار عدم تفاعله مع قضايا الشعب المغربي، ومن ضمنهم ساكنة إقليمنا، تعبير على ذلك أم أنه محض تجمع انتهازي وقوده هو الاقتراب من الانتخابات؟
أضف إليه الأدوار المنوطة به، انطلاقا من الفصل المذكور، كالتأطير والتكوين، الذي يبدو مدى ضعفه من خلال مظهرين على الأقل: أولها؛ انتظام أعضائه أنفسهم كتُبّع لمنطق الوليمة وممولها ليس إلا، مهما كانت قبيلته (ولا نقول ذلك من باب دعمنا لهذا المنطق وإنما تبيانا للمنطق الانتهازي والوصولي)، أو إن انتفظ أحدهم لبرهة ابتزازا، فهل هذا هو نشر الوعي السياسي والترغيب في المشاركة السياسية؟، وثانيها. استحضار أعلام شخصيات كإرث، عند كل انتخابات، الشيء الذي يعكس عجز الحزب إقليميا عن إنتاج نخب مثلهم... وليس ذلك إلا بحث عن قاطرة يتسلق ويلتصق بها البعض لتحمله لائحيا.
كذلك من أدوار ما يعتبر حزبا، التمثيل والتعبير، وهو ما يفضي للتعبير عن إرادة من انتخب هذا الكيان مع كيانات أخرى تشبهه، ويفضي كذلك للمشاركة في السلطة... وفي كنف هذا نتساءل متى كان هذا الكيان في المعارضة في جل مجالس الإقليم حتى يخرج علينا بخطاب المعارض كلما اقترب موعد ما يسمى "انتخابات"؟ ثم إن مفهوم التعبير ذاك، يعني فيما يعنيه تعبير المستقل، لا تعبير التابع والانتظاري، فمتى كان ذلك محقق في سلوككم؟
ثانيا: ادعاء الحداثة والتمذهب المركب.. واقع القبلية والتبعية
ثم ادعاؤه للحداثة السياسية، فضلا ادعائه التمذهب المركب: (أصالة) كنهل من معين الهوية المغربية العريقة، وليس ذلك إلا بقيم التسامح والتضامن والانفتاح والاعتزاز بالملكية والمذهب المالكي... وهلم جرا. (المعاصرة) كتعبير على التفاعل الإيجابي مع الأمم والانفتاح على الحداثة مع احترام الخصوصيات (ولا نعتقد أن من ضمن الخصوصية التفتيت باستدعاء المنطق القبلي)، كما لا يفوتنا أن هذا الكيان أعلن غير ما مرة أن مرجعيته هي توصيات هيئة الانصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية حول التنمية (وبالرغم من أن هذا هروبا إلى الأمام باعتباره لا يملك مرجعية سياسية فكرية، فإننا نسلم تجاوزا بقبوله، ولكن متى كان في متن هذين المرجعين استدعاء القبيلة وابنها، بل ومتى كان هذا المنطق مؤسسا لتبعية جديدة إلى الرأسمال وممثليه)... وهذه الادعاءات إنما هي قولا، بينما تظل منافاتها سلوكا طاغية، حينما يدعي الانتصار للقبلية عوضا عن مفهوم المواطنة، وما زلت أتذكر، وأنا الطفل الذي لا يفقه في السياسة خطابا، عند محطات (لائحة الكرامة والمواطنة وحركة لكل الديمقراطيين) تأسيسه لما سمي حزب "الأصالة والمعاصرة" في أواخر 2007 وأوائل 2008، حيث ركز فؤاد عالي الهمة على نقد ما وصفه بـ "منطق العائلات" أو "سياسة الزعامات العائلية"، إذ كان الهدف المعلن هو تجاوز النخب السياسية التقليدية وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة... فألا يعد استدعاء خطاب أنتج ذلك بمثابة إعادة الإنتاج والتدوير، بل ألا يعتبر منطق المقاولة الحزبية والفرد "الزعيم" بمثابة استمرارية لنفس المنطق؟
نقول هذا، ونحن نستحضر أنه عندما قال لينين أن : "المثقف أكثر الناس قدرة على الخيانة لأنه أكثرهم قدرة على تبرير خيانته " كان منطلقه جدلية النظرية والممارسة، وفي واقعتنا هذه لا ندعي أن حديثنا عن مثقف بالمفهوم الكرامشي، ولكن مثقف بالمفهوم العامي، يتابع مايجري في الساحة؛ يدبج خطابات؛ بل يلوي عنق الخطابات لملاءمتها مع موقعه، موقع المعاون، وذلك عبر آليات بلاغية، ومفاهيم سوسيولوجية، تعلم البعض منها، يوم كان معتنقا لأيديولوجية الكداح.
ثالثا: التنمية المفقودة ومسؤولية التدبير المستمر منذ 18 سنة
ثم حديثهم الانتخابي عن التنمية المفقودة أو ما يشبه ذلك في ظل تدبيرهم أو مشاركتهم في التدبير داخل جل الجماعات لمدة تقارب 18 سنة، فمن يعرقل هذه التنمية، هذا فضلا عن وجوه كانت محسوبة على الحركة الشعبية إبان فترة محمد الشعيبي -رحمه الله- ثم خرجت بدون حمرة خجل تدعي أنها ضد الفساد، ما يجبرنا على طرح سؤال فساد من إذن ذاك؟ ونزيد من الشعر أبياتا، فندعوا كل غيور لمساءلة حتى ما نحن بصدد كتابته اليوم، فليقم أحدكم فقط بالعودة لنتائج انتخابات سنة 2015 الجماعية ويقارنها مع انتخابات سنة 2021 بجماعات الإقليم ودوائره... وسيلاحظ أن أسماء (نعتت بالفساد) وكانت محسوبة على أحزاب (تنعت بالفساد) بينما ستترشح في الانتخابات التالية باسم ناعتيها ورموزهم "الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار أو الاستقلال..." وهذا المنطق هو ما أدعي أنه سيسود في القادم من الأيام.
فمن الفساد؟ ومن يعرقل التنمية؟ ومن هذه القوى غير الطبيعية واللامرئية التي تمزق عجلة التنمية؟
رابعا: "البلقنة" كذريعة.. وعراقيل التنمية في الجماعات التي يديرها الحزب
كذلك وفي قوله، يؤكد البرلماني عن دائرة الرحامنة عن نفس التجمع، عبد اللطيف الزعيم، والناطق باسم هذا الحزب أن سبب تراجع مدينة ابن جرير هو "البلقنة" وهو يقصد تعدد المتدخلين داخل مجلس الجماعة (الألوان الانتخابية وبعض الأحزاب)
فمن أولا جاء بهذا القاسم الانتخابي (على أساس المعبر عنه) وهو الإيجابي -الذي يهاجمه السيد البرلماني بينما لا يتجرأ على نقد قاسم انتخابي مبتدع يناقض الجوهر الديمقراطي (على أساس المسجلين)- أو ليس من ضمنهم فريقك بمجلس النواب وأنت من ضمنهم، فألا يعد هذا سبب للطعن في معقولكم ولا معقوله؟ ثم أوليس حزبك من ضمن الأغلبية ومنه الحكومة التي تشرع كيفما شاءت وإن ضد الدستور اليوم؟
ومن جهة أخرى، فإذا كانت هذه البلقنة هي المثبط حسب ما تدعون، أولم يكن حري بكم أن تنتظموا خارج أغلبية المجلس (وهي المهزوزة الشرعية والمتخبطة بكل مكوناتها) بالوضوح لا ابتزازا في بضع فترات، أم أنه عشق الكرسي وإن على حساب ما أنتم موغلون في ادعائه؟ ثم أولم تكونوا أنتم شخصيا -سخرة- العامل والمحرك لجمع التوقيعات على البلاغات التي كانت تصدر عن هؤلاء، وإن على حساب ما أنتم مذعنون في ادعائه؟
ومن جهة تالية، إذا كانت البلقنة سببا لتعثر تنمية المدينة، فما وضع التنمية (عدا مواسم الولائم، التي تم تحويل جلها، مما يعتز به في تراثنا، إلى ما ينفر منه بعد أن تم تحويله لمنزه للتباهي والاستعراض السياسوي الانتخابوي) في الجماعات الترابية، 13 من أصل 25 في انتخابات 2021 وأكثر من ذلك فيما قبل، بما أن تجمعكم حصل على الأغلبية فيها كالتالي:
(اولاد حسون حمري: 8 مقاعد؛
اولاد عامر تزمارين: 13 مقاعد؛ الجعافرة: 13 مقعدا؛ الجعيدات: 9 مقاعد؛ بوروس: 11 مقعدا؛ بوشان: 14 مقعدا؛ رأس العين: 11 مقعدا؛ سكورة الحدرة: 10 مقاعد؛ سيدي بوبكر: 10 مقاعد؛ سبدي عبد الله: 15 مقعدا؛ سيدي غانم: 9 مقاعد؛ سيدي منصور: 8 مقاعد؛ اولا املول: 8 مقاعد.) فضلا على المجلس الإقليمي: 10 مقاعد... ولن ندخل الجماعات التي ترأسونها... بما أنكم تعلقون الشماعة على التعدد، ولكن بماذا تدبرونها؟ ما الذي نفعكم في الأخرى وخذلكم في جماعة ابن جرير وهي المبلقنة كما الأخرى؟... لعلي أعرف الجواب كما يعرفه كل متابع للأوضاع.
ومن جهة أخيرة: ألا يعتبر تراجع نسب المشاركة في جماعة ابن جرير (25.6٪) بآخر انتخابات بمعبر على فقدان الثقة، في تجمعكم ذاك أولا (بما أنكم المدبرون) وفي البقية ممن يسمون أنفسهم أحزابا ضدا على الحقيقة ثانيا، أم أنكم تعدونه تصويتا عقابيا (للعدالة والتنمية) وطنيا -رغم أننا لا ندعيه-، فيما تنكرونه محليا؟
خامسا: استغلال الهشاشة الاجتماعية وتوظيف المال العام
هذا فضلا عن استغلال حاجة وقلة ذات اليد وهشاشة الوضع الاجتماعي المزري... للبعض من أبناء هذه الرقعة، وإن على حساب ما يسمى "جدية" بدراهم معدودة، بقصد ترويج ما أنتم تدعون عكسه، ولعل هذا ما سيسبب تنابزا وتناحرا بينهم، قد يفضي لا قدر الله إلى ما لا يحمد عقباه، فعوض انشغالكم بتأطيرهم وتنمية مهاراتهم وتأهيلهم وزيادة فرص شغلهم بكرامة، آثرتم أن تستغلوا هذا المعطى، كما استغل من قبلهم بمسميات جمعوية لا تحمل من غاياتها إلا الإسم بإغداق وافر من المال العام.
ولا أريد أن أتحدث عن الرسالة التي أردتم توجيهها، من موقعكم كبرلماني، يوم قمتم بالاحتجاج والاعتصام داخل مقر مندوبية وزارة الصحة بالطريقة إياها، وأنتم الذين تملكون قنوات قانونية غيرها... أو تهديدكم بحرق أنفسكم قبلها في خضم تشريعيات 2016، بل والشروع فيها... ما إذا كانت رسالة تأطير وتوعية لشباب هو أصلا على وشك الانفجار؟
سادسا: دواعي الكتابة وأبعادها.. بين الصمت الموجع والوطن المنتهك
إننا نخط ما سلف، بكل ألم وحسرة، لعدة دواعي، ليس منها أننا ننظر لأحد بعين العداء، ولكن لأننا لا نحب أن نكون من المغفلين فيحسب صمتنا إذعانا وقبولا، وليس لأننا نستهدف طموحا سياسيا، ونحن الذين شاركنا تجارب تنظيمية تبين لنا بعدها استحالة المضي داخل نفس النسق السياسي وحدوده وثقافته وسياسته الانتخابية التي لا تسمن إلا الوصولي الذي يغض الطرف عن دوره الأساس (التدبير الحر والتعبير عن إرادة الساكنة) بل ويسهم في إضعاف (المنتخب) المقيد أصلا بوصاية لا تخطؤها عين.
ولكننا نكتب لأننا نرى كم أن الوصولي مستعد لتدوير الكذبة وإعادة إنتاجها وإن على حساب وطنه، الذي هو المساحة الجغرافية التي تمثل إطارا للسيادة والقانون، حيث يمارس المواطنون حقوقهم السياسية، ويخضعون لنظام حكم موحد، ودستور ينظم العلاقة بينهم وبين تلك السلطة بوضوح. الوطن الذي هو المساحة التي ينتمي إليها الإنسان بالعاطفة والذاكرة والهوية. الوطن المكان الذي يولد فيه أو يعيش فيه، حيث يتحدث لغته، ويمارس عاداته، ويشعر بالاستقرار والانتماء. الوطن العام هو "البيت الكبير" الذي يجمع الأرض، اللغة، الثقافة، والتاريخ المشترك، ويظل رمزا للحنين والحماية... لا مجرد سردية ضيقة خادمة لطيف على حساب الآخر كما يحاول البعض تصنيفنا بين ثنائيات: "تمغربيت#القوميةالعربية#المورية#الأمازيغية"، بل ويتعداه في كثير من الأحيان إلى التخوين لمجرد الاختلاف مع الخطاب المسيّد.
بقلم: محمد خليفة
أولا: تناقضات (حزب) الأصالة والمعاصرة بين الخطاب والممارسة
ومن ضمن ذلك قول أحدهم أن منتقدي هذا التجمع، ليسوا إلا فشلة في بناء تنظيماتهم، فيحاولون التشويش على تنظيمهم هذا... نقول تفاعلا مع هذا الادعاء، وذلك انطلاقا من الفصل 7 من الدستور المغربي، فنطرح أسئلة:
بما أن هذا التنظيم ناجح، بالنظر والمقارنة مع نظرائه، فهل يمكن اعتبار عدم تفاعله مع قضايا الشعب المغربي، ومن ضمنهم ساكنة إقليمنا، تعبير على ذلك أم أنه محض تجمع انتهازي وقوده هو الاقتراب من الانتخابات؟
أضف إليه الأدوار المنوطة به، انطلاقا من الفصل المذكور، كالتأطير والتكوين، الذي يبدو مدى ضعفه من خلال مظهرين على الأقل: أولها؛ انتظام أعضائه أنفسهم كتُبّع لمنطق الوليمة وممولها ليس إلا، مهما كانت قبيلته (ولا نقول ذلك من باب دعمنا لهذا المنطق وإنما تبيانا للمنطق الانتهازي والوصولي)، أو إن انتفظ أحدهم لبرهة ابتزازا، فهل هذا هو نشر الوعي السياسي والترغيب في المشاركة السياسية؟، وثانيها. استحضار أعلام شخصيات كإرث، عند كل انتخابات، الشيء الذي يعكس عجز الحزب إقليميا عن إنتاج نخب مثلهم... وليس ذلك إلا بحث عن قاطرة يتسلق ويلتصق بها البعض لتحمله لائحيا.
كذلك من أدوار ما يعتبر حزبا، التمثيل والتعبير، وهو ما يفضي للتعبير عن إرادة من انتخب هذا الكيان مع كيانات أخرى تشبهه، ويفضي كذلك للمشاركة في السلطة... وفي كنف هذا نتساءل متى كان هذا الكيان في المعارضة في جل مجالس الإقليم حتى يخرج علينا بخطاب المعارض كلما اقترب موعد ما يسمى "انتخابات"؟ ثم إن مفهوم التعبير ذاك، يعني فيما يعنيه تعبير المستقل، لا تعبير التابع والانتظاري، فمتى كان ذلك محقق في سلوككم؟
ثانيا: ادعاء الحداثة والتمذهب المركب.. واقع القبلية والتبعية
ثم ادعاؤه للحداثة السياسية، فضلا ادعائه التمذهب المركب: (أصالة) كنهل من معين الهوية المغربية العريقة، وليس ذلك إلا بقيم التسامح والتضامن والانفتاح والاعتزاز بالملكية والمذهب المالكي... وهلم جرا. (المعاصرة) كتعبير على التفاعل الإيجابي مع الأمم والانفتاح على الحداثة مع احترام الخصوصيات (ولا نعتقد أن من ضمن الخصوصية التفتيت باستدعاء المنطق القبلي)، كما لا يفوتنا أن هذا الكيان أعلن غير ما مرة أن مرجعيته هي توصيات هيئة الانصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية حول التنمية (وبالرغم من أن هذا هروبا إلى الأمام باعتباره لا يملك مرجعية سياسية فكرية، فإننا نسلم تجاوزا بقبوله، ولكن متى كان في متن هذين المرجعين استدعاء القبيلة وابنها، بل ومتى كان هذا المنطق مؤسسا لتبعية جديدة إلى الرأسمال وممثليه)... وهذه الادعاءات إنما هي قولا، بينما تظل منافاتها سلوكا طاغية، حينما يدعي الانتصار للقبلية عوضا عن مفهوم المواطنة، وما زلت أتذكر، وأنا الطفل الذي لا يفقه في السياسة خطابا، عند محطات (لائحة الكرامة والمواطنة وحركة لكل الديمقراطيين) تأسيسه لما سمي حزب "الأصالة والمعاصرة" في أواخر 2007 وأوائل 2008، حيث ركز فؤاد عالي الهمة على نقد ما وصفه بـ "منطق العائلات" أو "سياسة الزعامات العائلية"، إذ كان الهدف المعلن هو تجاوز النخب السياسية التقليدية وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة... فألا يعد استدعاء خطاب أنتج ذلك بمثابة إعادة الإنتاج والتدوير، بل ألا يعتبر منطق المقاولة الحزبية والفرد "الزعيم" بمثابة استمرارية لنفس المنطق؟
نقول هذا، ونحن نستحضر أنه عندما قال لينين أن : "المثقف أكثر الناس قدرة على الخيانة لأنه أكثرهم قدرة على تبرير خيانته " كان منطلقه جدلية النظرية والممارسة، وفي واقعتنا هذه لا ندعي أن حديثنا عن مثقف بالمفهوم الكرامشي، ولكن مثقف بالمفهوم العامي، يتابع مايجري في الساحة؛ يدبج خطابات؛ بل يلوي عنق الخطابات لملاءمتها مع موقعه، موقع المعاون، وذلك عبر آليات بلاغية، ومفاهيم سوسيولوجية، تعلم البعض منها، يوم كان معتنقا لأيديولوجية الكداح.
ثالثا: التنمية المفقودة ومسؤولية التدبير المستمر منذ 18 سنة
ثم حديثهم الانتخابي عن التنمية المفقودة أو ما يشبه ذلك في ظل تدبيرهم أو مشاركتهم في التدبير داخل جل الجماعات لمدة تقارب 18 سنة، فمن يعرقل هذه التنمية، هذا فضلا عن وجوه كانت محسوبة على الحركة الشعبية إبان فترة محمد الشعيبي -رحمه الله- ثم خرجت بدون حمرة خجل تدعي أنها ضد الفساد، ما يجبرنا على طرح سؤال فساد من إذن ذاك؟ ونزيد من الشعر أبياتا، فندعوا كل غيور لمساءلة حتى ما نحن بصدد كتابته اليوم، فليقم أحدكم فقط بالعودة لنتائج انتخابات سنة 2015 الجماعية ويقارنها مع انتخابات سنة 2021 بجماعات الإقليم ودوائره... وسيلاحظ أن أسماء (نعتت بالفساد) وكانت محسوبة على أحزاب (تنعت بالفساد) بينما ستترشح في الانتخابات التالية باسم ناعتيها ورموزهم "الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار أو الاستقلال..." وهذا المنطق هو ما أدعي أنه سيسود في القادم من الأيام.
فمن الفساد؟ ومن يعرقل التنمية؟ ومن هذه القوى غير الطبيعية واللامرئية التي تمزق عجلة التنمية؟
رابعا: "البلقنة" كذريعة.. وعراقيل التنمية في الجماعات التي يديرها الحزب
كذلك وفي قوله، يؤكد البرلماني عن دائرة الرحامنة عن نفس التجمع، عبد اللطيف الزعيم، والناطق باسم هذا الحزب أن سبب تراجع مدينة ابن جرير هو "البلقنة" وهو يقصد تعدد المتدخلين داخل مجلس الجماعة (الألوان الانتخابية وبعض الأحزاب)
فمن أولا جاء بهذا القاسم الانتخابي (على أساس المعبر عنه) وهو الإيجابي -الذي يهاجمه السيد البرلماني بينما لا يتجرأ على نقد قاسم انتخابي مبتدع يناقض الجوهر الديمقراطي (على أساس المسجلين)- أو ليس من ضمنهم فريقك بمجلس النواب وأنت من ضمنهم، فألا يعد هذا سبب للطعن في معقولكم ولا معقوله؟ ثم أوليس حزبك من ضمن الأغلبية ومنه الحكومة التي تشرع كيفما شاءت وإن ضد الدستور اليوم؟
ومن جهة أخرى، فإذا كانت هذه البلقنة هي المثبط حسب ما تدعون، أولم يكن حري بكم أن تنتظموا خارج أغلبية المجلس (وهي المهزوزة الشرعية والمتخبطة بكل مكوناتها) بالوضوح لا ابتزازا في بضع فترات، أم أنه عشق الكرسي وإن على حساب ما أنتم موغلون في ادعائه؟ ثم أولم تكونوا أنتم شخصيا -سخرة- العامل والمحرك لجمع التوقيعات على البلاغات التي كانت تصدر عن هؤلاء، وإن على حساب ما أنتم مذعنون في ادعائه؟
ومن جهة تالية، إذا كانت البلقنة سببا لتعثر تنمية المدينة، فما وضع التنمية (عدا مواسم الولائم، التي تم تحويل جلها، مما يعتز به في تراثنا، إلى ما ينفر منه بعد أن تم تحويله لمنزه للتباهي والاستعراض السياسوي الانتخابوي) في الجماعات الترابية، 13 من أصل 25 في انتخابات 2021 وأكثر من ذلك فيما قبل، بما أن تجمعكم حصل على الأغلبية فيها كالتالي:
(اولاد حسون حمري: 8 مقاعد؛
اولاد عامر تزمارين: 13 مقاعد؛ الجعافرة: 13 مقعدا؛ الجعيدات: 9 مقاعد؛ بوروس: 11 مقعدا؛ بوشان: 14 مقعدا؛ رأس العين: 11 مقعدا؛ سكورة الحدرة: 10 مقاعد؛ سيدي بوبكر: 10 مقاعد؛ سبدي عبد الله: 15 مقعدا؛ سيدي غانم: 9 مقاعد؛ سيدي منصور: 8 مقاعد؛ اولا املول: 8 مقاعد.) فضلا على المجلس الإقليمي: 10 مقاعد... ولن ندخل الجماعات التي ترأسونها... بما أنكم تعلقون الشماعة على التعدد، ولكن بماذا تدبرونها؟ ما الذي نفعكم في الأخرى وخذلكم في جماعة ابن جرير وهي المبلقنة كما الأخرى؟... لعلي أعرف الجواب كما يعرفه كل متابع للأوضاع.
ومن جهة أخيرة: ألا يعتبر تراجع نسب المشاركة في جماعة ابن جرير (25.6٪) بآخر انتخابات بمعبر على فقدان الثقة، في تجمعكم ذاك أولا (بما أنكم المدبرون) وفي البقية ممن يسمون أنفسهم أحزابا ضدا على الحقيقة ثانيا، أم أنكم تعدونه تصويتا عقابيا (للعدالة والتنمية) وطنيا -رغم أننا لا ندعيه-، فيما تنكرونه محليا؟
خامسا: استغلال الهشاشة الاجتماعية وتوظيف المال العام
هذا فضلا عن استغلال حاجة وقلة ذات اليد وهشاشة الوضع الاجتماعي المزري... للبعض من أبناء هذه الرقعة، وإن على حساب ما يسمى "جدية" بدراهم معدودة، بقصد ترويج ما أنتم تدعون عكسه، ولعل هذا ما سيسبب تنابزا وتناحرا بينهم، قد يفضي لا قدر الله إلى ما لا يحمد عقباه، فعوض انشغالكم بتأطيرهم وتنمية مهاراتهم وتأهيلهم وزيادة فرص شغلهم بكرامة، آثرتم أن تستغلوا هذا المعطى، كما استغل من قبلهم بمسميات جمعوية لا تحمل من غاياتها إلا الإسم بإغداق وافر من المال العام.
ولا أريد أن أتحدث عن الرسالة التي أردتم توجيهها، من موقعكم كبرلماني، يوم قمتم بالاحتجاج والاعتصام داخل مقر مندوبية وزارة الصحة بالطريقة إياها، وأنتم الذين تملكون قنوات قانونية غيرها... أو تهديدكم بحرق أنفسكم قبلها في خضم تشريعيات 2016، بل والشروع فيها... ما إذا كانت رسالة تأطير وتوعية لشباب هو أصلا على وشك الانفجار؟
سادسا: دواعي الكتابة وأبعادها.. بين الصمت الموجع والوطن المنتهك
إننا نخط ما سلف، بكل ألم وحسرة، لعدة دواعي، ليس منها أننا ننظر لأحد بعين العداء، ولكن لأننا لا نحب أن نكون من المغفلين فيحسب صمتنا إذعانا وقبولا، وليس لأننا نستهدف طموحا سياسيا، ونحن الذين شاركنا تجارب تنظيمية تبين لنا بعدها استحالة المضي داخل نفس النسق السياسي وحدوده وثقافته وسياسته الانتخابية التي لا تسمن إلا الوصولي الذي يغض الطرف عن دوره الأساس (التدبير الحر والتعبير عن إرادة الساكنة) بل ويسهم في إضعاف (المنتخب) المقيد أصلا بوصاية لا تخطؤها عين.
ولكننا نكتب لأننا نرى كم أن الوصولي مستعد لتدوير الكذبة وإعادة إنتاجها وإن على حساب وطنه، الذي هو المساحة الجغرافية التي تمثل إطارا للسيادة والقانون، حيث يمارس المواطنون حقوقهم السياسية، ويخضعون لنظام حكم موحد، ودستور ينظم العلاقة بينهم وبين تلك السلطة بوضوح. الوطن الذي هو المساحة التي ينتمي إليها الإنسان بالعاطفة والذاكرة والهوية. الوطن المكان الذي يولد فيه أو يعيش فيه، حيث يتحدث لغته، ويمارس عاداته، ويشعر بالاستقرار والانتماء. الوطن العام هو "البيت الكبير" الذي يجمع الأرض، اللغة، الثقافة، والتاريخ المشترك، ويظل رمزا للحنين والحماية... لا مجرد سردية ضيقة خادمة لطيف على حساب الآخر كما يحاول البعض تصنيفنا بين ثنائيات: "تمغربيت#القوميةالعربية#المورية#الأمازيغية"، بل ويتعداه في كثير من الأحيان إلى التخوين لمجرد الاختلاف مع الخطاب المسيّد.
بقلم: محمد خليفة