في الذكرى 47 لاختطاف الشهيد المهدي بنبركة


جان لاكوتور
الأربعاء 31 أكتوبر 2012



يوم 29 اكتوبر 2012 هو يوم الذكرى 47 لاختطاف و اغتيال الشهيد بن بركة، كافح ضد الوجود الاستعماري ببلادنا و هو في سن 15 من عمره و هي السنة التي انخرط فيها في الحركة الوطنية و بقي على هذا الحال في مرحلة الكفاح من اجل الاستقلال و في مرحلة النضال الديمقراطي من أجل بناء مجتمع جديد طوال 30 سنة الى يوم اختطافه و اغتياله
الرجل الذي أراد إنجاب ثورة
يقترن اسم " المهدي"، من بين دلالات اخرى، بمبعوث الله وحامل الرسالة. ومع ذلك فليس أقل نبوة وأندر صوفية من المهدي بنبركة، هذه الشخصية الحادة، القاطعة، المصنوعة من مادة متينة، مادة متحركة، إنه خميرة، وحامض لم يكف منذ عشرين سنة الهجوم وتحريك المجتمع المغربي فاتكا بالإقطاع، محاصرا الرأسمالية، داعيا إلى إعادة النظر في كل شيء مرورا بأساس النظام وجوهر العقيدة الشعبية. وإذا كان اليسار المغربي يتوفر على زعماء آخرين، أكثر انسانية مثل عبد الرحيم بوعبيد، ونباهة مثل اليوسفي، وتناورا مثل البصري، فإنه لا أحد بينهم استطاع أن يبرز جهوده وآماله بذلك القدر من الحلول الشمولي والإفصاح مثلما فعل المهدي بن بركة ، ذلك الجوال الذي يعرف جيدا كيف يضع الأرقام مكان الكلمات، وهذه في موضع الأفعال، والصعقات والغرابة في موقع الشرعية.
السباق على التاريخ
هو ابن " مخزني" (عون بمحكمة). وإذا بدا شبه طبيعي أن يصبح دركي مثل (جوان) مارشالا لفرنسا، تحت حكم فانسان اريول، فإن شيئا من هذا يعد عائقا صعبا حقا، يعز تخطيه في مغرب ليوطي داخل " مدارس الأعيان" لا مشاحة في أن ابن المخزني هذا كان ذا ذهن حاد بقدرته على اجتياز مرحلة الكتاب القرآني (لمسيد)، واقتناص الفرصة لإظهار أهليته في معرفة الرياضيات. وهكذا سيحصل على الإجازة في هذه المادة حين ستفتح الحرب- وتحديدا روزفلت- أمام المغرب حقل التاريخ.
نراه في الثانية والعشرين من عمره حين سيوجه احمد بلافريج مؤسس حزب الاستقلال، النداء إلى بعض المثقفين الشباب لاشراكهم معه في صياغة وثيقة المطالبة بالاستقلال ( يناير 1944) وسنجد هنا إلى جانبه عبد الرحيم بوعبيد؟، عبد الكبير الفاسي وآخرين.
منئذ سيصبح في كل مكان ودائما، وفي مختلف الاحوال هو دينامو الوطنية، وبفضل إشرافه على اجراء تمارين في الرياضيات لولي العهد الأمير مولاي الحسن- (إذ من المعلوم أن الملك حاول اقناعه بالعودة إلى المغرب وأبلغه بواسطة ابن عمه الأمير مولاي علي في فرانكفورت، بتاريخ يونيو 1965 بأنه " لا استطيع أن أتخلى عن استاذي في الرياضيات" )، بفضل ذلك إذن سينجح بن بركة في ابقاء الصلة بين حزب الاستقلال والقصر حين ستصبح أبوابه موصدة على يد الجنرال جوان، في وجه بورجوازيين من الحزب امثال الزغاري وأبا حنيني.
هكذا يتبين ان هذا النائب الفتي في المرعى كان ماهرا في الرياضيات وغيرها. وهو ما تفطن له ساسة الحماية مبكرا ما جعلهم يتخدون قرارا بنفيه في منطقة اميشيل حيث سيعكف على اتقان اللغة العربية، ويتعلم فتاتا من البربرية ويدرك بأن الوطنية ليست شيئا إذا لم تتوصل إلى إعادة بناء المجتمع.
لدى انفكاكه سنة 1954 ( وكم كان رجال الحماية سذجا بفعلهم ذاك) سيربط الصلة بشبكات المقاومة التي كانت تعد من الدار البيضاء إلى مراكش، لتفجير العمليات الارهابية على يد الزرقطوني ومحمد منصور وعلال بن عبد الله. لكننا لن نراه إلى جانب بوعبيد والمحمدي أثناء المفاوضات المغربية الفرنسية ( 1955-1956)، إذ كان منصرفا إلى تشكيل و" خدمة" المغرب والجماهير الشعبية، وبعبارة أخرى فقد كان سباقا على مجرى التاريخ.
في نونبر 1955 يعود محمد الخامس من منفاه وتسقط الحماية، عقب ذلك بشهر واحد يعقد حزب الاستقلال مجلسه الوطني العمومي الأول في الرباط حيث لا يرى المهدي إلا لماما في المنصة بينما يكثر من الحركة في الكواليس، ويلغم القاعة ويرسل التوجيهات والشعارات من قبيل " الارض للفلاحين" . " تصفية الخونة" فيما الجميع يتهامس باسمه.
وإذا لم يكن بمقدوره تطبيق الشعار الأول على الاقطاعيين الذي يدين لهم الحزب بثروته وقوته فإنه قاد التصفية بحتمية لا هوادة فيها وصولا إلى الإطاحة برؤوس الوطنيين الذين لم يكونوا على وفاق مع خطه منهم العقيد عباس الذي اتهم المهدي بتصفيته من جانب الرجال الذين أسسوا في وقت لاحق، وضد حزب الاستقلال، مجموعة الحركة الشعبية.
مع الاستقلال ستكبر شخصية الرجل وسيشرفه محمد الخامس بتعيينه رئيسا للمجلس الوطني الاستشاري، وهو تعيين ينطوي على نية لتحييده، وقد كان مشهدا مؤثرا جدا لحظة مثوله بين يدي الملك، وهو المتشبه بنزعته إلى الحكم الجمهوري ليلقى من على منصة الرئاسة خطابا دفع بالدموع إلى عيون علماء القرويين أنفسهم.
بيد ان هذا التشريف الملكي لم يوقف من طموحه، إذ ما لبث أن عين في قيادة الحزب "سكرتيرا في التنظيم... وهو العارف بأدبيات الثورة لن نراه في سنوات 1957 و 1958 في الواجهة الحزبية التي يتصدرها علال الفاسي وأحمد بلافريج والمحمدي. لكن ومن الناحية العملية، فإن المهدي بنبركة هو من يعرف جميع المسؤولين النقابيين وكل الرؤساء في حركة المقاومة وهو من سيقود الشبيبة إلى الشمال لشق "طريق الوحدة" ولتكوين أطر حزب جماهيري ومن غيره سيبقى على صلة الوصل مع جيش التحرير في الجنوب. ثم من يا ترى سيحبك خيوط الاختطاف العجيب لابن الكلاوي إن لم يكن المهدي دائما !.
والحق أنه لا مناص من رؤية هذا الشهاب الناري للثورة، الذي كان ما يزال متمسكا بنهج الشرعية، ومن أجلب معرفته جيدا، لننظر إليه بخطوه المتعجل ومحفظته تحت الإبط عابرا مدخل مقر الحزب متبوعا بثلاثة أو أربعة من المحاورين اللاهثين يحاولون عبثا التفوه بكلمة، هذا المساء كان قد اشرف على امتحان الباكلوريا في الرياضيات بعد أن استقبل في المجلس الاستشاري وفدا من العاطلين، وقبل ان يقود إلى القصر بعثة للحزب.
بقامته الصغيرة ولون بشرته الكامد. حيا وقويا مشتعلا بالمكر " النافع" يفيض بالافكار، هو ذا دينامو المغرب الجديد.
قدرته على الغواية نجحت في هزم تكهنات المقيمين العامين والمصرفيين ورجال الحاشية دون أن تكسر شوكة الضغائن،. ومصدر قوته وذكائه الفائق حريته في التفكير( وهي ظاهرية أكثر منها حقيقية إذ بمقدوره لأن يصبح متعصبا) اجل إنه لمن الصعب أن لا نفتتن بهذا الوجه الحيوي ذي الحاجبين الكثيف مثل هلالين فوق جبهته دونهما عيون مصوبة كالمسدسات ومثل هذه الشخصية لها طاقة مذهلة على العمل والتمثل.
بيد ان أطر الحزب ظهرت مثل غطاء فوق رجل الغليان هذا، ولذا كان ينبغي أن تنتزع لهم الجماهير الشعبية لكسر جمود الدولة وإعلان الحرب على الاقطاع وإنعاش الديالكتيك الاجتماعي. ذات يوم احد من شهر يناير.
1959سيطلق المهدي مبعوته عبر الضاحية الفقيرة لمدينة الرباط – دوار الدوم ودوار الدباغ – ويستدعي إلى غرفة التجارة والصناعة بالعاصمة الطلاب والمقاومين والمحرومين وسيقول فيهم :" إننا لا نريد كسر الاستقلال ولكن إنعاشه، ولست أنا من ينهض ضد القيادة الجامدة، بل هي القاعدة نفسها التي شرعت تتحرر ..."
لقد عجل بنبركة بوصفه رجل تكتيك جيد، بانطلاق الثورة الثانية في حين لم تكن أطره مهيأة مستفيدا من صديقه عبد الله ابراهيم رئيس الحكومة آنذاك ونائبه عبد الرحيم بوعبيد. وهكذا فإن الحركة ذات الطابع التمردي من نواحي معينة ستستفيد من الحياد المتسامح للحكومة، وهو ما لن يغفره القصر لعبد الله ابراهيم وبوعبيد اللذين سيصرفان بخشونة أربعة أشهر بعد ذلك. غير أن بنبركة لم يكن ليبالي بما حدث إذ ها هي الجماعات المتحدة لحزب الاستقلال تنتقل من حركة انشقاقية فقط لتصبح تجمعا للتيارات السياسية لليسار حاملة اسم " اسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية".
ومع ذلك نرى المهدي يحمل عصا التجوال منتقلا من باريس إلى بكين ومن جنيف إلى القاهرة. لقد ألقى البذرة ولكنه أحس بان ساعته لم تحن بعد. كما كان يعرف بأنه عرضة لعداء القصر الذي يحاصره بالتصريحات المبيته. ورغم كل شيء يسجل في ماي 1962 دخوله إلى المشهد السياسي المغربي بمناسبة انعقاد مؤتمر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنعقد بالدار البيضاء والذي سيمثل انتصارا شخصيا له، وهو ما كذب القائلين بان بنبركة كان على درجة من حدة الطبع والشيطنة بحيث يصعب عليه اغراء الجماهير المغربية الصعبة. فحين صعد على المنصة في قصر العرض، ظهر نجما جذابا عرف كيف يثير غضب مخاطبيه ويضحكهم بتسليط أشد الهجوم على كبار الملاك العقاريين النهمين والرأسماليين المسرفين.
في وقت لاحق من ذلك انتخب نائبا برلمانيا بمدينة الرباط مع ثمانية وعشرين من رفاقه. لقد أصبح الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قوة بالفعل، مصرحا بمذهبه المتمركس وأهدافه الثورية ومؤكدا هيمنته على المدن الكبرى والطلبة والأوساط العمالية وبعض القطاعات القروية.
غير ان هذا الحزب المؤسس على يد بن بركة، والذي نشطه بوعبيد، لن يتوفر على الوقت الكافي لينضج في مناخ الشرعية.
ففي 1963 اكتشفت المؤامرة على الحكم من قبل نفس الرجال الذين سينظمون اختطاف بن بركة في الثلاثين من اكتوبر، وهو ما سيسمح للنظام بأن يلقي في غياهب السجون بالعديد من قادة الحزب.
محمد البصري، عبد الرحمان اليوسفي، المهدي العلوي ومحمد منصور الذين سيصلون أشد العقاب، ما سينجم عليه تفكك الحزب ووضع الحكم قبضته كاملة على المغرب الذي غادره بنبركة ثم سيتهم بالتآمر ويدان بالموت غيابيا.
عندئذ سيرتكب بنبركة أكبر خطأ سياسي في حياته، ففي اكتوبر 1963 سيتحول التوتر الحدودي، الجزائري المغربي إلى نزاع حاد سيطلق بن بلة نفير القتال وستهدد الفيالق المغربية منطقة توات ويشتعل أوار الحرب. وفي الشرق الأوسط حيث كان يجول آنئذ راح المهدي بنبركة يندد بالسياسة الملكية، ويدعو الشعب المغربي للتصدي لها، لكن عبثا وعن خطأ.
فالحمية الوطنية كان تسري في دماء المغاربة الذين لم يستسيغوا سلوك الزعيم التقدمي، ذلك انه كان على من أراد ان يلعب لعبة لينين سنة 1917 أن يتوفر على مجتمع ممتعض من شوفينيته ومأكول الشك وليس على مجتمع فتي، شان وضع المغرب في 1963.
على اثر ذلك بات ثوريا رحالة اكثر منه سياسيا مغربيا. وليست ضرورة المنفى وحدها بل نباهته كمحلل، واقتصادي ما جعله يكتشف النزعة الاممية واستعجالية أن يجمع في شريان واحد مناطق القطب الجنوبي، وهكذا وبعد أن تولى تنشيط لجنة التضامن الأفرو- اسيوي اصبح العماد العمالي لمنظمة مؤتمر القارات الثلاث المبرم عقده في يناير بالعاصمة الكوبية هافانا، استدعت منه هذه المهمة التنقل من القاهرة إلى جنيف ومن هانوي إلى الجزائر. وفي باريس أيضا بتاريخ 30 اكتوبر، حيث سينزل للمرة الرابعة من السنة نفسها (1965) محاطا دائما بالغموض.
والسر في ذلك أن هذه الشخصية الثورية الجوالة للمعمور امست " شخصية باريسية" مسموعة، ذات حظوة سواء في حلقات اليسار أو الأوساط غير السياسية، ذات صداقة وتعاون مع شارل بيتلهم، جاك بيرك وفرنسوا بيرو اوندري لوي دوبوا وجلبير غرانفال وفي الوقت نفسه كانت لبنبركة علاقات مثيرة مع " في فيغون" أو" لوبيز" فهل خضع رجل الحكم هذا، المعجب بالشرطة بتقنياتها، لأدواتها ومنفذيها، والتي عرف كيف يحركها من 1955 إلى 1959 أقول هل خضع لإغراء عملاء مزدوجين ولمخبرين؟ هل وقع في فخهم من كثرة ما حاول تجنبه وفهمه؟ إذا أردنا أن نعرف العلاقات الغريبة بين الثورة حين لا تكون متجدرة في النسيج الشعبي وحين تتحول إلى وظيفة جوالة وبين البوليس السري فيكفي أن نعيد قراءة فيكتور سيرج كي ندرك حجمه.
على كل ، سواء حيا أو ميتا، فإن المهدي بن بركة لم يكف عن ململة المغرب والعالم الثالث، لقد نجح اكثر من أي شخص أخر بجعل الحركة الوطنية تنتقل إلى الوضع الراديكالي واعطاها الوعي الاجتماعي المطلوب.

مقالات ذات صلة