لماذا تحتفل الطبقة العاملة بذكرى فاتح ماي؟


حقائق بريس
الأحد 1 ماي 2011


عرفت أواخر القرن التاسع عشر ارتفاعا كبيرا في العمال في العالم ، فبين 1835 و 1914 ، انتقل من 5 إلى 7 ملايين في الولايات المتحدة ، و من 8 ملايين إلى 12.500.00 في بريطانيا ، و من 3 ملايين إلى 4.500.000 في روسيا ، أما في فرنسا فقد بلغ 4.575.000 من العمال و 3.385.000 من العاملات ، سنة 1866 و رافق هذا الارتفاع في الاعداد اتساع بلترة العمال و تعمق بؤسهم ، حيث يوم العمل يتراوح بين 15 و 16 ساعة اضافة الى تشغيل الاطفال في سن السادسة و تشغيل النساء في اعمال شاقة و حتى في اعمال المناجم . و ادت هذه التطورات الى تزايد تقة العمال بقوتهم مما شجعهم على التعبير عن غضبهم و النضال بمختلف الاشكال من اجل مطالبهم و على رأسها 8 ساعات كيوم عمل و الحق في التنظيم و الحق في عيد سنوي خاص بهم .


و هكذا قرر عمال استراليا الاحتفال يوم 21 ابريل 1856 ، و ذلك بالتوقف الكامل عن العمل و تنظيم اجتماعات و انشطة مختلفة للمطالبة بيوم عمل من 8 ساعات . و امام النجاح الذي حققه هذا الاحتفال قرر العمال الاستراليون تخليده كل سنة . بعد ذلك جاء دور العمال الامريكيين حيث قرر اتحاد العمال الامريكيين ان يكون عام 1886 عاما للنضال من اجل يوم عمل من 8 ساعات .

و في فاتح ماي 1886 اضرب ثلثا مصانع شيكاكو و نظمت المظاهرات و المسيرات و اتجمعات ، و في يوم 4 ماي 1886 تجمع العمال في ميدان هايمركت للتعبير عن مطالبهم ، و عند قرب نهاية التجمع تحدث اوغست سبايس عن الاضراب و تعامل السلطات و الطابع السلمي لمعركتهم و طلب من الجميع التفرق ، الا ان السلطات كانت قد قررت اعطاء منحى اخر لهذه المعركة . فقد القى عميل مندس في صفوف العمال قنبلة على البوليس مما ادى الى وفاة احدهم على الفور و وفاة اخرين نتيجة الاحداث اللاحقة و تم اعنقال قادة الادراب و هم : اوغست سبايس ، سامويل فيلدين ، ميشيل شواب ، اوسكار نيب ، ادولف فيشر ، جورج انجيل ، و لويس لينك اما البيرت بارسونز فسلم نفسه للبوليس بعد ذلك و اتهمو جميعا بالتآمر و القتل ، و رغم الحملة العالمية للتضامن معهم و الاحتجاج على التهم الملفقة لهم فان المحكمة اصدرت حكمها بالاعدام في حق 5 منهم و السجن المؤبد في 2 و تم تنفيذ حكم الاعدام يوم 11 نونبر 1887 في حق 4 منهم و هم : اوغست سبايس، و البيرت بارسونغ و ادولف فيشر ، و جورج انجل اما الخامس و هو لويس لينغ فتوفي قبل ذلك في السجن .

و قررت الاممية الاشتراكية سنة 1889 في مؤتمرها في باريس تخليد هذه الذكرى بالاحتفال بفاتح ماي من كل سنة كيوم عالمي للتضامن العمالي . و في سنة 1893 اعتدر الحاكم الجديد لولاية ايلينو التي توجد مدينة شيكاكو ضمن مجالهما الترابي لمن بقو على قيد الحياة في السجن و اصدر مرسوما يبرء الجميع الشهداء منهم و الاحياء .

و نعيش اليوم تحقق نبوءة اوغست سبايس عندما قال : سيأتي اليوم الذي يصبح فيه صمتنا في القبور اعلى من اصواتنا اليوم .
اذ يخرج العمال في العالم لتخليد هذه الذكرى و التعبير عن مطالبهم الا في الولايات المتحدة الامريكية و التي تمعن في جريمتها في حق الطبقة العاملة بحرمانها للعمال من الاحتفال بهذا اليوم و اسرارها على ان عيد العمال هو الاثنين الاول من شتنبر من كل عام .
و خبر كلام نختم به هذه النبدة الموجزة عن ذكرى فاتح ماي العيد الاممي للطبقة العاملة هو قول جوهيل المناضل النقابي و فنان الطبقة العاملة عندما لفقت له السلطات الامريكية تهمة القتل و حكمت عليه بالاعدام : " لا تعلنوا الحداد ... نظموا" .


يوم النضال الخالد فاتح ماي، يوم نضالي كبير ومتميز على الدوام

فاتح ماي ورغم كل مظاهر النفاق البرجوازي و النضال الشكلي المناسباتي للقيادات النقابية البيروقراطية الشائخة الجاثمة على صدور الطبقة العاملة الشابة و الحيوية ورغم كل الشكليات الرسمية للباطرونا و لاجهزة دولتها الراسمالية بهذه المناسبة ، يبقى هو ذلك اليوم النضالي الكبير و المتميز حيث تعمل النقابات على انزال كافة منخرطيها منظمين قطاعيا واحيانا متميزين بشارة او لباس او غيره، مصطفين وراء لافتات تشهر مطالبهم ، او تعلن مواقفهم ويرددون ويصدحون بشعارات تفضح واقع القمع و الاستغلال الرأسمالي وتعلن رفضهم لهذا الواقع وتعبر بحماس عن تطلعاتهم في التحرر و الديمقراطية و في التقدم الاجتماعي .

كما يعد فاتح ماي من كل سنة وما يتم تنظيمه بمظاهرات بمناسبته ، مكسبا عماليا شعبيا عظيما ومحطة اساسية في الصراع الدائم و الدائر ما بين النقابات العمالية و الباطرونا ) رغم كل الخطابات الكاذبة حول ما يسمى بالشراكة و المقاولة المواطنة و غيرها من المفاهيم البرجوازية المتداولة مع الاسف ما بين العديد من النقابين...( و ما بين القوى التقدمية و الديمقراطية و الاشتراكية، المناصرة للطبقة العاملة وعموم الكادحين من فلاحين وحرفيين.. و اصحاب رؤوس الاموال محتكري الثروة المستندين لأجهزة الدولة الإدارية و المالية و القضائية و القمعية و المدعمين من طرفها و من هنا فان الشكل ومستوى ظهور الطبقة العاملة التنظيمي و النضالي –في تظاهرات فاتح ماي يعد تعبيرا مهما جدا عن حال ميزان القوة ما بين طبقة الرأسمالين و الطبقة العاملة في مواقع الاستغلال المباشر ) المعامل و الورشات ، وفي الضيعات الفلاحية و مختلف وحدات الإنتاج ( وفي كل بلد على حدى وعلى المستوى العالمي.
لقد تعمدنا هذا المدخل لمعرفة الجميع بمدى اختلال ميزان القوى لصالح الراسمالية و الامبريالية ، حيث يجد ذلك ترجمته في تزايد الحروب و التدخلات العسكرية للامبريالية عبر العالم وتراجع حركات التحرر وضمور وهج الفكر الاشتراكي العمالي- بعدما اصاب تجارب البناء الاشتراكي خلال القرن الماضي من تحريف بيروقراطي انتهى بها الى الفشل- وتكثيف استغلال الطبقة العاملة واعتماد ما يسمى بالمرونة في التشغيل وتكريسها في تشريعات الشغل للتقليص من كلفة الإنتاج ،ثم الاغلاقات و التسريحات الجماعية تحت عنوان ما يسمى بإعادة الهيكلة إلى غير ذلك.
كما تعمدناه أيضا لدعوة النقابيات و النقابيين لجعل هذه المحطة متميزة ما أمكن، في تحدى معلن لكل عوامل الإحباط التي خلقتها انتصارات الرأسمالية الجزئية وأساسا للانطلاق منها لتقييم حصيلة العمل النقابي ببلادنا و الاستفادة من التجارب النقابية الرائدة عالميا ، لاستشراف أفاق التطور انطلاقا مما هو ممكن ومما يمكن في الواقع من طاقات واعدة .

الأفاق الواعدة للنضال النقابي التقدمي المكافح.


يتقدم العمل النقابي قياسيا بالنتائج الملموسة التي يحققها إذا ما اعتمد آليات العمل المنظم و المنتظم الجماعي الديمقراطي وإذا ما اتسم بالكفاحية و التدبير العقلاني و الابتعاد عن المغامرة ،منطلقا من الحرص على تطبيق تشريع الشغل وتطويره واحترام كرامة العاملات و العمال وتحسين ظروف عملهم وحمايتهم من أخطار الآلات و المواد الكيماوية و الخطيرة ومن مختلف مسببات حوادث الشغل... إلى غير ذلك.
إن هذا العمل النقابي البسيط و الذي يمكن أن يزاوله أي مناضل نقابي نزيه تكتنفه وتسكنه قابلية كبيرة للنمو و التطور إذا ما استهدف تكوين المناضلات و المناضلين النقابين على إدارة معاركهم وتدبير كافة الشؤون المرتبطة بالعمل النقابي من مفاوضات وحملات وغيرها وإذا ما اعتمد مبدأ التضامن القطاعي ) داخل نفس القطاع و ما بين قطاعات أخرى( محليا ووطنيا. هذا التضامن الذي يشكل درعا أمام هجومات الباطرونا على مكتسبات الطبقة العاملة ومن اجل التصدي لاخطرها مثل ظاهرة الاغلاقات و التسريحات الجماعية ، بالإضافة إلى تجاوز العقلية القطاعية الضيقة ، و التفكير لما وبما يفيد الطبقة العاملة ككل ويساهم في توسيع تنظيمها النقابي و تطويره ليستوعب كل فئاتها ) بما فيها الأكثر هشاشة وتحويلها من موقع الضعف إلى موقع القوة( ويعكس ويعبر عن مطالبها الفئوية الخاصة،ويغلب ويرجح علاقات التضامن و التكامل ما بين الفئات مكان التنافر و الصراع ، المفروض خوضه وتوجيهه صوب الاحتكارات المتحكمة في رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج.

الى جانب هذا ، لا يمكن للنضال النقابي أن يفقد ملحاحيته وجدواه ، فهو مفتوح باستمرار على تطوير الخدمات الاجتماعية للعمال وأبنائهم) من سكن واصطياف ونوادي...( وعلى الرعاية الصحية إلى غير ذلك . وكذلك من اجل التحسين المستمر للأجور ورفض الحوارات الاجتماعية التي تلبي شيئا من مطالب الطبقة العاملة الحقيقية، ولا غرض من ورائها سوى إرساء سلم اجتماعيي لا طائلة من ورائه بل لن يكون إلا على حساب الطبقة العاملة التي تزداد فقرا، و في واقع لا يشهد سوى بالخنق و التضييق المتنامي على الحريات الديمقراطية و ضمنها النقابية. و العمل بذلا من ذلك على النضال من اجل فرض زيادة في الأجور تستدرك القدرة الشرائية للطبقة العاملة وتحسن من أوضاعها بشكل عام وفضح نهب المال العام وتركيز الثروة من طرف الطبقات المستغلة ومظاهر الثراء الفاحش و المستفز بالإضافة إلى انفتاحه على كل أشكال الفعل التقدمي ، السياسي و الحقوقي و الجمعوي المستهدف خدمة مصالح الطبقة العاملة و ليس استخدامها.

مغزى اليوم ودلالاته

مقابل كل المظاهر الاحتفالية المتعددة الخلفيات التي تصاحب فاتح ماي ، و التي تشوش نسبيا على مغزى اليوم ودلالاته التاريخية ، فانه يبقى محطة تخلد لسجل حافل بالعمل التنظيمي و النضالي من اجل انتزاع الحق في تشكيل وبناء النقابات وتحديد يوم العمل في 8 ساعات ، وفي مواجه أبشع أشكال الاستغلال الذي تمارسه الرأسمالية ) وما زالت( لبناء مجد لا تستحقه و مراكمة الثروات تم دلالته النضالية المتعددة كيوم لتأكيد وحدة العمال و العاملات ضد الاستغلال الرأسمالي و يوم لتجسيد تحالف العمال و باقي الكادحين و في مقدمتهم الفلاحين الصغار و المعدمين . وكذا المعطلين و الطلبة و التلاميذ ، و يم لابتزاز مطالب المرأة العاملة و التضامن مع نضال الحركة النسائية التقدمية من اجل المساواة التامة بين النساء و الرجال، و من اجل تجسيد التضامن الشعبي مع الجماهير الكادحة و الفقيرة و التضامن العمالي الاممي ، ومن اجل التنديد بواقع الاستبداد ودعم مطالب الحركة التقدمية من اجل بناء الديمقراطية الشاملة و سيادة حقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة