"مبطلات" انتخابات 2026


سعيد رحيم
الجمعة 19 يونيو/جوان 2026



تُعدّ الانتخابات، في الأنظمة الديمقراطية، آلية للتنافس بين الأحزاب السياسية عبر الاقتراع العام من أجل اختيار البرامج والتصورات الأكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين وتطلعاتهم.
وعقب الإعلان عن النتائج، تبدأ مرحلة تنفيذ الالتزامات والوعود الانتخابية، لتتحول البرامج التي حظيت بثقة الناخبين إلى سياسات عمومية وإنجازات ملموسة، في انسجام مع جوهر الديمقراطية باعتبارها حكماً للشعب بواسطة ممثليه المنتخبين.
غير أن المشهد المغربي يطرح، مع اقتراب استحقاقات 2026، معادلة مختلفة تثير العديد من التساؤلات. فمن يطالع مضامين "النموذج التنموي الجديد"، الذي قُدِّم رسمياً سنة 2021 وحددت له آفاق تمتد إلى سنة 2035، سيلاحظ أن أغلب ما يمكن أن تتضمنه البرامج الانتخابية للأحزاب لا يخرج، في خطوطه العريضة ولا حتى في كثير من تفاصيله، عما ورد في هذا النموذج من أهداف واختيارات ومشاريع مبرمجة سلفاً.
ويكفي الاطلاع، ولو بشكل سريع، على مضامين هذا النموذج لإدراك حجم القضايا والإشكالات التي يتناولها، وهي قضايا ظلت لعقود طويلة موضوع نقاش سياسي دون أن تتمكن الأحزاب، قديمها وحديثها، من بلورة تصورات متكاملة بشأنها أو فرضها ضمن أجندة الإصلاح العمومي.
ومن بين أبرز الأهداف التي سطرها النموذج التنموي الجديد: رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتطوير المنظومة الصحية والحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
كما يتضمن النموذج رهانات مرتبطة بتثمين الرأسمال البشري، والرفع من جودة الخدمات العمومية، وتحقيق تنمية مجالية متوازنة، ودعم العالم القروي والمناطق الأقل استفادة من ثمار التنمية، إلى جانب تحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يشمل أيضاً تعزيز الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين فعالية الإدارة العمومية، وتكريس الشفافية ومحاربة الفساد.
أما الأهداف المسطرة في أفق سنة 2035، فتتمثل أساساً في مضاعفة الناتج الداخلي الخام للفرد تقريباً، ورفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، وتقليص الفقر والهشاشة بشكل ملموس، وتحسين ترتيب المغرب في مؤشرات التنمية البشرية والتنافسية.
هذه مجرد عناوين كبرى ضمن مشروع تنموي واسع التزمت الدولة بتنزيله خلال السنوات المقبلة.
ويضاف إلى ذلك ما أُعلن عنه خلال شهر أبريل الماضي من إطلاق "الورش الإصلاحي الكبير" بغلاف مالي يناهز 210 مليارات درهم موزعة على ثماني سنوات، بهدف إرساء جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، انطلاقاً من الحاجيات المعبر عنها محلياً من طرف المواطنين.
ويروم هذا الورش تحسين ظروف العيش وصون الكرامة الإنسانية، من خلال تعزيز جاذبية المجالات الترابية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتوسيع الولوج إلى الشغل والتعليم والصحة والماء والخدمات الأساسية.
كما تم وضع منظومة للحكامة والتتبع والتقييم تحدد آليات التنفيذ والمراقبة والتواصل، حيث تتولى لجان محلية ووطنية الإشراف على تنزيل المشاريع، فيما أُسندت مهام المراقبة والتدقيق إلى الأجهزة المختصة في إطار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
أمام هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري نفسه: ما هو الهامش الحقيقي الذي تملكه الأحزاب السياسية في صياغة مشاريع بديلة أو مختلفة، إذا كانت التوجهات الكبرى للتنمية قد حُددت سلفاً ضمن برامج واستراتيجيات طويلة المدى تتبناها الدولة وتعبئ لها إمكانيات مالية وبشرية ضخمة؟
إن الأحزاب، في ظل هذه المعطيات، تبدو أقرب إلى فاعل محدود التأثير في رسم الخيارات الاستراتيجية الكبرى، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول طبيعة أدوارها ووظائفها الحقيقية داخل المنظومة السياسية، وحول قدرتها على الإبداع والاقتراح والتأطير والمراقبة، بدل الاكتفاء بتدبير الشأن العام ضمن هوامش ضيقة.
ومن هذا المنطلق، قد يرى البعض أن استمرار تنظيم انتخابات مكلفة مالياً، في ظل وجود برامج تنموية استراتيجية جاهزة ومحددة الأهداف والآجال وآليات التنفيذ، يطرح إشكالاً يتعلق بجدوى العملية الانتخابية نفسها. فمصاريف الانتخابات لسنة 2021، التي قُدرت بأكثر من 1.8 مليار درهم، يمكن توجيهها إلى مجالات أخرى أكثر إلحاحاً إذا كانت نتائج الاقتراع لا تفضي عملياً إلى تغيير جوهري في السياسات العمومية المرسومة مسبقاً.
غير أن الأخطر من ذلك، في نظر المنتقدين، هو ما قد يترتب عن هذا الوضع من تعميق للعزوف السياسي وفقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة، عندما يشعر المواطن بأن البرامج الانتخابية ليست سوى نسخ متشابهة من مشاريع سبق إعدادها خارج التنافس الحزبي.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط حول جدوى انتخابات 2026، بل حول مستقبل الفعل الحزبي نفسه، ومدى قدرته على استعادة دوره الطبيعي كقوة اقتراح وتأطير وتمثيل حقيقي للمجتمع.
* نردّد جريا على قول الفقهاء: كيف تُفتي الأحزابُ وبرامجُ التنمية جاهزةٌ في الحقيبة وعلى الطاولة؟

مقالات ذات صلة