من أين لك هذا... الخبر


رشيد نيني
الأحد 5 يونيو/جوان 2011



يحدث أن يتحول الصحافي من صانع للخبر إلى خبر في حد ذاته.
هذه الأيام، أجد نفسي قد تحولت، رغما عني، إلى مادة أخبار دسمة تتقاذفها المواقع الإلكترونية والصحف. فيبدو أن بعض زملائنا تركوا أخبار المبذرين ولصوص المال العام الذين تتحدث عنهم التقارير القضائية، وتفرغوا لملاحقتي بمقالاتهم التي يبحثون من ورائها عن مضاعفة عدد قرائهم.
فبين موقع إلكتروني يتحدث عن حجز المحكمة على ممتلكاتي وعقاراتي، وبين جريدة تتحدث عن حجز على حسابات والدتي وأخواتي، ولم لا جدتي التي لا تستطيع التمييز بين دفتر الشيكات وكناش «الكريدي»، يضيع الخبر بين ثنايا الإثارة وتختلط الحسابات الشخصية بالحسابات البنكية.
أولا وقبل كل شيء، على هؤلاء الذين يتحدثون عن ممتلكاتي وعقاراتي أن يخجلوا من أنفسهم قليلا، لأنهم يعرفون قبل غيرهم أنني، إلى حدود اليوم، لا أملك أي عقار أو ممتلكات. ولو أنهم كلفوا أنفسهم مشقة التحرك إلى غاية المحافظة العقارية وطلبوا جدولا بلائحة ممتلكاتي وعقاراتي لتأكدوا من كوني لا أتوفر على تلك الممتلكات التي عددوها في مقالاتهم.
ليس هناك أي عيب في أن يتوفر مدراء المؤسسات الإعلامية على عقارات وممتلكات، طالما أنهم حصلوا عليها بعملهم ولم يسرقوها. وقد كنت سأكون فخورا بممتلكاتي لو أنني كنت أتوفر عليها حقيقة، لكنني إلى حدود اليوم لازلت أقطن في منزل للكراء، وهذا ليس عيبا، وأنا أسعى إلى اقتناء شقة، وعندما سأكمل دفعاتها سأكون سعيدا بإخبار هؤلاء الزملاء بهذا «الخبر» لكي ينشروه في الصفحة الأولى.
أما أخبار الحجز على الحسابات البنكية لوالدتي وأخواتي وبنات أخواتي، فأنا لا أعرف حقيقة من أين أتوا بها. فأنا أزور والدتي كل يوم تقريبا ولم تتوصل بأي إشعار من المحكمة بالحجز على حسابها أو حساب بناتها.
كل ما حدث هو أن محامي نواب الملك الأربعة استخلص الأموال المحجوزة في حساب «المساء» البنكي وفي حسابي الشخصي، وإذا كان يريد تمديد الحجز لكي يشمل «ممتلكاتي» و«عقاراتي» فليتفضل ليحجز عليها، إن وجدها.
ولم أكد أكمل قراءة هذه الأخبار «المتضاربة» حول الحجوزات والعقارات والممتلكات التي دوخت الزملاء، حتى وجدت بانتظاري في الجريدة، صباح أول أمس الثلاثاء، استدعاء من الفرقة الوطنية، مجموعة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية.
وقبل أن أصل إلى مقر الفرقة الوطنية، سبقتني الأخبار إلى المواقع إياها، فمنها من تحدث عن استدعائي للتحقيق معي حول أسفارٍ إلى إسبانيا ونقل أموال إليها بطرق غير قانونية، ومنها من تحدث عن حسابات في الخارج.
والحال أن استدعاء الفرقة الوطنية جاء بناء على طلب من الوكيل العام للملك، العلوي البلغيثي، للاستماع إلي حول مجموعة من المقالات التي نشرتها في عمودي. الوكيل العام للملك يريد أن يعرف الأدلة التي استندت إليها لكتابة ما كتبته. قلت لهم إنني سأجيبكم بجملة واحدة ولن أزيد عليها كلمة واحدة، وهي أن كل ما لدي لكي أقوله قد قلته في هذه الأعمدة، وكل ما كتبته تحققت منه قبل نشره من مصادري الموثوقة والتي أحتفظ بحق حمايتها وعدم الكشف عنها.
بدأ الاستماع إلي من طرف عناصر الفرقة الوطنية، والتي كانت في منتهى اللياقة والأدب، حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف واستمر إلى حدود الثانية زوالا، وتابعت الاستماع إلي من الثالثة زوالا إلى السادسة مساء.
بالنسبة إلى عناصر الفرقة الوطنية فقد كانت تقوم بواجبها الذي أمرها به الوكيل العام للملك، ولو أنني كنت أتمنى أن يذهب محضر الاستماع من مقر الفرقة إلى مكتب الوكيل العام للملك دون أن يمر على جريدة «الصباح» التي كانت الجريدة الوحيدة التي تم إطلاعها على فحوى جلسة الاستماع التي كان من المفروض، والقانوني، أن تبقى سرية.
لكن ما باليد حيلة، فهذه الجريدة أصبحت منذ مدة طرفا في القضايا المعروضة على القضاء، وأصبحت صفحاتها ملاذا مفضلا لمحاضر الضابطة القضائية والتقارير الأمنية والقضايا الرائجة أمام المحاكم.
ولذلك، فليس من المستغرب أن تحظى هذه الجريدة بهذا «السبق» الصحافي الذي سيرفع، ولو ليوم واحد، مبيعاتها المتدنية.
وأنا أغادر مقر الفرقة الوطنية، فكرت في اقتراح لتقديمه إلى المعنيين بقوانين التصريح بالممتلكات و«قانون من أين لك هذا؟»، وهو أن يضيفوا إلى لائحة قوانينهم قانونا جديدا اسمه «من أين لك هذا الخبر؟».
فيبدو أننا سنحاكم بناء على هذا القانون الجديد الذي يتحول فيه الخبر إلى جريمة يجب تبريرها. فنحن متلبسون بنشر الأخبار التي لا تروق لبعض النافذين الذين يعتقدون أن مصير الناس رهن أيديهم، ولذلك يجب متابعتنا بهذه الجريمة النكراء، أما الأشخاص الذين يتحدث عنهم الخبر فلا أحد يزعجهم باستدعاء صغير.
يقولون إنهم يريدون منا أن نعطيهم الأدلة الدامغة التي تؤكد الأخبار التي ننشرها، وأن ندلهم على أسماء الأشخاص الذين نقصدهم باتهاماتنا. يعتقدون أننا مخبرون نشتغل لحسابهم، وأننا يجب أن نكون مستعدين لإعطائهم مفكرات عناويننا وأسماء مصادرنا لكي يحققوا معهم ويتأكدوا من حقيقة ما ننشره، وكأن هذه الأجهزة الأمنية والقضائية، التي تشغل مئات الموظفين والمخبرين والمحققين وترصد لها الدولة ملايير الدراهم سنويا، أصبحت عاجزة عن استكمال البحث والتحقيق حول ما ننشره، لكي تعول علينا نحن الصحافيين لنأتيها بالخبر والأدلة وأسماء المتهمين. لماذا لا يوزعون علينا الأصفاد والمسدسات لكي نذهب ونعتقل لهم هؤلاء اللصوص والمهربين والمرتشين ونضعهم في السجون؟
الحقيقة أنني لم أتفاجأ لكون الوكيل العام للملك أمر باستدعائي للاستماع إلي حول ما أكتبه، فسعادة الوكيل العام يعرف أنني أصبحت منذ خمس سنوات زبونا دائما لديه. لكن ما فاجأني حقيقة هو أنني كنت أنتظر أن أكتب أخبارا حول استدعاء النيابة العامة للمسؤولين العموميين الذين نشر التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات أسماءهم ومخالفاتهم المالية والإدارية، فإذا بي أجدني أكتب خبرا حول استدعاء الوكيل العام للملك لي. «شي يديرها وشي تجي فيه».
كنا ننتظر قراءة أخبار حول قرارات قضائية بالحجز على أموال وممتلكات «عليوة» و«الفراع» و«بنعلو» و«برق الليل» وبقية المتابعين في جرائم تبذير المال العام، فإذا بنا نقرأ أخبارا حول حجز وسحب حجوزات من حساب «المساء» وحسابي البنكي.
وحتى الذين كانوا يقولون اللهم إن هذا منكر، كيف تحكم محكمة في المغرب، حيث الحد الأدنى للأجور لا يتعدى 1500 درهم، بستمائة مليون سنتيم على مدير جريدة، أصبحوا يستنكرون تباطؤ المحكمة في تنفيذ قرار الحجز ويطالبونها بتنفيذ هذه الأحكام، وكأن الحكم بستمائة مليون، في نظرهم، أصبح حكما عادلا صادرا عن محكمة مستقلة، والحال أن هذا الحكم حكم ظالم حبكته المخابرات من أوله إلى آخره وأرادت أن تجعل منه سيفا مسلطا على رقبتي إلى الأبد.
اليوم آن لهذا السيف أن ينزل لننتهي من هذه المهزلة. لينزل هذا السيف الصدأ ولتصادروا ما شئتم من ممتلكات تعشش في خيالكم. صادروا كل شيء واتركوا لنا حريتنا وكرامتنا، فهي غير قابلة للتفاوض أو المصادرة.
إن خطأنا الجسيم ربما هو أننا استوعبنا مضامين الخطاب الملكي الأخير الذي تحدث فيه الملك عن تقوية دور وسائل المراقبة والمحاسبة في الدستور المقبل. ويبدو أننا انسقنا بحماس وراء هذه الدعوة ونسينا أن هناك جيوب مقاومة كثيرة ستشهر عصيها لعرقلة عجلات هذه العربة الملكية.
وهاهي العصي «تجبدات»، وربما لن نكون وحدنا من ستنزل هذه العصي على ظهره لكي يتوارى إلى الخلف ويتخلف عن الزحف، إلى جانب الملك، على هذا الفساد المستشري في البلاد والعباد.
قدر المغاربة الشرفاء والنزيهين والمخلصين لدينهم ووطنهم وملكهم أن يعدوا ظهورهم للضربات القادمة وأن يقبضوا على مبادئهم كالقابض على الجمر، وأن يستميتوا في البقاء داخل خندق المقاومة لمجابهة هذا الغول المسمى فسادا.
نحن لا ننتظر منهم أن يلقوا إلينا بالورود، فنحن نعرف أن طريق الصدق والحقيقة مفروش بالأشواك، ولذلك فنحن مستعدون للأسوأ.
ماذا تساوي ساعات من الاستنطاق أو الاستماع في ضيافة الأمن، أو سنوات من السجن، أو ضياع بضعة ملايين في الحجز أمام الثمن الباهظ الذي تؤديه الشعوب العربية اليوم وتسدده حتى آخر قطرة من دماء أبنائها من أجل الحق في الكرامة والحرية.
نحن في المغرب لدينا فرصة تاريخية لتحقيق الحرية والكرامة والعدل بدون أن تسيل قطرة دم واحدة في الشوارع. يكفي أن يفهم أولئك اللصوص والفاسدون، الذين ظلوا يمصون دماءنا منذ ثلاثين سنة، أن زمنهم انتهى وأن ساعتهم دقت وأن عليهم الرحيل اليوم قبل الغد.
«وسيرو بخاطركم حسن ليكم قبل ما تعودو غادين بزز».

مقالات ذات صلة