☰

نورالدين مفتاح يكتب: أبناء يأكلون صحافتهم


نور الدين مفتاح
الخميس 24 شتنبر 2026



لو استيقظ رواد الصحافة في بلادنا من الراقدين تحت التراب ليروا ما فعله بعض أبنائها بها لعادوا مفجوعين إلى قبورهم يتقلبون فيها كما تتقلب المشواة فوق النار.

أكتب هذا في هذا الصباح الذي يتوجه فيه الزملاء إلى صناديق الاقتراع لاختيار سبعة من ممثلي الصحافيين في انتخابات المجلس الوطني للصحافة. وأولى المضحكات المبكيات أننا لن نرى للناشرين أثرا في هذه الصناديق، لأن الوزير غير المأسوف عليه في الاتصال (أو الانفصال) قرر أن أرباب المقاولات لا يستحقون الاقتراع الحر، ولكن الانتداب.

ولنلاحظ أنه في مثل هذه المناسبة سنة 2018، كنا، صحافيين وناشرين، أمام نفس الصندوق نمارس حقا ديموقراطيا بشكل طبيعي. وها نحن بعد 8 سنوات تقريبا نعود إلى الوراء، وهناك من له الجرأة ليعتبر هذا التقهقر إنجازا خارقا لجيل جديد سيقودنا بالسلاسل إلى جنة صاحبة الجلالة.
وأشهد الله أنني لا أنطلق من موقف ذاتي، فأنا لم أكن مرشحا في لائحة العضوية للمجلس، ولا أنطلق أيضا من اصطفاف تنظيمي، على الرغم من أن وفائي دائما ظل للبيت الأول الذي أسسناه ليجمع الناشرين كمدافعين أولا عن حرية الصحافة وشرف المهنة، قبل الدفاع عن أرقام المعاملات وملايير الدعم العمومي.

ولنبدأ بالحصيلة بعد الزلزال الذي ضرب المهنة عقب جائحة كورونا. فقد كان هناك انشقاق، وتأسس تنظيم مواز للفيدرالية المغربية لناشري الصحف، وهذا الأمر المؤسف خلق تعددية تمثيلية لا يمكن أن نعاديها لمجرد أننا نختلف معها، وجرت مئات محاولات توحيد المواقف إذا كانت العودة للوحدة التنظيمية مستحيلة مرحليا. ولكن، ولأسباب شخصية وأحقاد واهية وأنانيات بالية، أصبح هناك تقاطب تنظيمي أعمى الناس وأنساهم أنهم واقفون على رأس قطاع في العناية المركزة. وزاد في الطبل رنّة أن من كان يقود الوزارة الوصية كان يوقع على أحلك مرحلة في تاريخ التدبير الحكومي لمجال الصحافة، وكان المساهم الرئيسي في تهديم ما تبقى منها بمبادرات تشريعية وتنظيمية سوريالية ستبقى ندوبها محفورة في الصدور والذاكرة والواقع.

كانت للتشرذم كلفة باهظة، وتم تسييس الإصلاح، ورفع لواء من مع «الفوق» ومن هم المغضوب عليهم! وتم التواطؤ على عدم إجراء انتخابات المجلس الوطني للصحافة في وقتها سنة 2022 والتمديد ستة أشهر لإجراء هذه الانتخابات، ثم كانت المفاجأة بعد كل هذا أن تم خلق لجنة مؤقتة أعطيت سنتين كاملتين للتهييء للانتخابات، وتم تدبيج مشروع قانون للمجلس استحواذي تحكمي مخالف للفصل 28 من الدستور، أسقطته المحكمة الدستورية.

وفي الخضم، تم توقيع اتفاق اجتماعي بشكل انفرادي فيه زيادة في الأجور، مع العلم أن الوزارة ومنذ 2020 هي التي تصرف هذه الأجور للعاملين في المقاولات وترفض أي زيادة في الأجور! وتم تدبيج مرسوم للدعم العمومي دون تشاور، مبني على رقم المعاملات، حيث إن من له مداخيل إشهارية أكبر يجازى من المال العام «بزيادة الشحم في ظهر المعلوف»، وحدد الحد الأدنى للاستفادة من الدعم في 900 ألف درهم من الأجور السنوية، مما أقصى مئات المقاولات الصغرى والجهوية، قبل أن يتم التراجع عن هذه المهزلة، بعد معركة منهكة قادتها الفيدرالية.

والغريب في هذا السيناريو رديء الكتابة والإخراج، هو أنه تشكلت لجنة للدعم من تنظيم واحد في سابقة تاريخية، ولكن الأغرب هو أنه رغم صدور نص مرسوم ظل الدعم عن طريق الأجور هو الجاري لأن عرَّابي بدعة رقم المعاملات اكتشفوا أنهم انخدعوا، وأن حجم استفادتهم من الكعكة سيكون هزيلا مقارنة مع الحيتان الكبرى، فتم عمليا قبر المرسوم واللجنة، وبدأ ترسيم دعم الأجور بفضيحة أخرى حين أريد تحويل المقاولات التي تحصل على الدعم الجزافي إلى دعم الأجور بطلب 5 صحافيين زائد مدير النشر ضدا على القانون مما فجر احتجاجات أمام مقر وزارة الاتصال.

لقد أصبحنا في ظل هؤلاء المبشرين الجدد الذين لا يملون من التبرم من «شيوخ المهنة» بلا بطاقة صحافة قانونية ولا دعم طبيعي للمقاولات ولا اتفاقية جماعية حقيقية، ولا شركة توزيع، حيث إنها لا تؤدي للناشرين حتى مقابل النسخ القليلة التي تبيعها، ولا نموذج اقتصادي قوي للمقاولات، اللهم إلا ما شاع من ابتزاز أو مداهنة! وغرقَ القطاع في التناحر، ولم يسبق أن كان ما يخصصه «الزملاء» لبعضهم البعض من تهجمات أكثر مما يخصصونه لمدبري الشأن العام من نقد من المفروض أنه سبب وجودهم، وانهار منسوب الثقة بين الصحافة والمجتمع، وتم التطبيع مع الميوعة والتفاهة ونشر الجهل، وهذا غيض من فيض.

نهاية الحكاية أو بدايتها أنه تم الالتفاف على روح قرار المحكمة الدستورية وقدم وزير الاتصال التراكتوري (بكل ما في الكلمة من معنى) نصا عناديّا لم يصلح فيه طريقة انتخاب الصحافيين التي كان يفترض أن تكون باللائحة، ولم يتخلّ عن الانتداب بالنسبة للناشرين ولا عن رقم المعاملات كمحدد لحصص التصويت، مع أن المجلس للأخلاقيات ولا علاقة له بالإشهار والمال!
وعلى الرغم من كل هذا الذي كان يعارضه الجسم المهني برمته باستثناء تنظيم واحد، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، و5 وزراء اتصال سابقين و35 منظمة مهنية وحقوقية، ارتأى الزملاء أن المشاركة في ظل قانون معيب خير من الكرسي الفارغ، ولكن جرت رياح سوء النية بما لم تشتهه سفن هذه المشاركة.

فمنذ أن عينت اللجنة المؤقتة التي ترأسها نفس القاضي الذي قضى 7 سنوات كعضو بالمجلس الوطني للصحافة منتدبا عن السلطة القضائية، لم تدع أبدا ممثلي المهنيين ولو للمجاملة، ولم تتجاوب مع مراسلات المعنيين لاستقبالهم، وفضلت الاشتغال بشكل مغلق تماما، متناسية أن القانون خولها ممارسة اختصاصات المجلس الوطني للصحافة كلها وليس تنظيم الانتخابات فقط. وبدخولها إلى الصَّدَفة المُحكمة التقوقع، كانت كمن أقفل بيت التنظيم الذاتي في وجه أصحابه، وبدأت تصدر القرارات التنظيمية، وتحدد الآجال الصارمة، وتقدم لائحة الوثائق المرهقة وأحيانا غير الضرورية، في ظل إصرار غريب عجيب على عدم التجاوب مع مطلب 90٪ من المهنيين بتأجيل هذه الانتخابات القطاعية إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 من الشهر الجاري.

رغم كل هذا مرة أخرى، بادرت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بتهييء 74 ملفا لمقاولات كبرى ومتوسطة وصغرى بمئات الوثائق، وقالت إدارة اللجنة المؤقتة عند تقديمها في الآجال إنها كاملة تامة. وفي الغد قررت اللجنة أن 69 ملفا لا يتوفر على الشروط! ولأعطيكم مثالا على هذا التزوير الشائن، أثير ملف «الأيام» الذي رُفض بمبرر أن السجل التجاري الذي قدمناه لا يتوفر على تاريخ تأسيس الشركة! والحال أن هذه الوثيقة لسنا نحن من يكتبها، والمصيبة أن هذا التاريخ مكتوب في السطر الأول من هذا السجل!!

ونفس الشيء وقع مع عشرات الملفات التي اعتبرت غير قانونية لأنها لم تدل بوثيقة أداء مستحقات الضمان الاجتماعي مثلا، مع العلم أن الوزارة هي التي تؤدي هذا الضمان الاجتماعي مع الأجور. وهكذا أصبحت صحف كـ«العلم» و«لوبينيون» و«البيان» و«بيان اليوم» و«لوديسك» و«الحركة» و«الأيام» و«الأيام 24» خارج المعادلة، واللائحة طويلة!

وقد صدق الزملاء في المكتب التنفيذي للفيدرالية عندما وصفوا الأمر بـ «المجزرة»، فهي كذلك خصوصا وأن هذه اللجنة وجدت لتيسير مشاركة أكبر عدد من الصحافيين والناشرين لتكون للمجلس قوة تمثيلية معتبرة، وأن لا تكون الآجال مقصلة للتصفية، مع العلم أن الآجال لا تشمل الاستكمال، فانتهى الأمر إلى وأد التعددية التي نص عليها قرار المحكمة الدستورية، بقرار من لجنة مؤقتة أخلفت موعدها مع التاريخ.

وماذا بعد؟ هل الاستحواذ على مفاصل القطاع هو نهاية مهمة أم بدايتها؟ أي برنامج لإعادة الحياة لصحافة تتنفس تحت الماء؟ في إصلاح 2016 الذي انبثق من لجنة علمية ترأسها الراحل العربي المساري وشارك فيها الفقيه مشيشي العلمي والراحل النويضي وغيرهم، تم الاعتراف القانوني بالصحافة الإلكترونية، وصدرت على إثرها مدونة توافقية ضخمة من ثلاثة قوانين، فما الذي تبشروننا به كإصلاح عنوانه قانون واحد خلال خمس سنوات عجاف مطبوع بخاتم لجنة «إيش إيشية» كسرت ما تبقى من جسر ثقة بيننا وبين القراء وبين مؤسسة التنظيم الذاتي والزملاء؟
سأختم بما قاله الإمام الشافعي لأسقطه على حالنا الذي لا يسر عدوا أو صديقا:
وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ويأكل بعضنا بعضا عيانا.
فاللهم حسن الخاتمة.

مقالات ذات صلة