ترأس الملك محمد السادس مجلسا وزاريا يوم الخميس 9 أبريل 2026، طبقا لما ينص عليه الفصل 48 من الدستور . و ينعقد من أجل المصادقة على التوجهات الاستراتيجية للدولة، مشاريع القوانين التنظيمية، والقضايا العسكرية والتعيينات في المناصب العليا. وفي هذا السياق قدم وزير الداخلية عرضا في هذا المجلس حول الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج "التنمية الترابية المندمجة، " التي تعتمد على مقاربة جديدة حسب مقترح وزير الداخلية ، تستمد من الاحتياجات المعبر عنها محليا من قبل المواطنات والمواطنين، مبرزا بأن التقديرات الأولية لتنفيذ هذه البرامج على مدى 8 سنوات المقبلة، تصل إلى ما يناهز 210 ملايير درهم. و انطلاقا من هذه البرامج ، "برامج التنمية الترابية المندمجة"، التي سيشرف على تنزيلها و تنفيذها الولاة و العمال على مستوى الجهات والأقاليم تطرح عدة تساؤلات منها :
أولا : لماذا تم تكليف وزارة الداخلية بإعداد مشروع "برامج التنمية الترابية المندمجة" بعد تكليفها بإعداد الانتخابات التشريعية المقبلة بدل رئاسة الحكومة في هذا الظرف بالذات ؟ و في أي سياق؟
ثانپا : أي دور يبقى للحكومة في إعداد البرامج الإنمائية أو الإشراف على العمليات الانتخابية المقبلة ؟
ثالثا :هل فشلت الأحزاب في إعداد دراسات للتنمية و التخطيط و البرمجة ؟
أولا : لقد سبق أن تم سحب ملف الانتخابات من بين يدي رئيس الحكومة و تكليف وزير الداخلية بهذا الملف، مما يعني أن وزارة الداخلية هي المؤهلة أكثر من الحكومة لتدبير الانتخابات المقبلة، لأنها ظلت عبر التاريخ السياسي للمغرب، منذ الاستقلال هي التي ترسم السياسات الانتخابية و الخرائط الانتخابية البرلمانية والجماعية و المهنية، و هي التي تمسك بخيوط اللعبة الانتخابية حتى وإن تغيرت الدساتير في المغرب .لقد ظلت تراكم الاختصاصات و توسع من مجالات التدخلات حتى أصبحت تسمى بأم الوزارات. فمنذ أول وزير للداخلية بعد الإستقلال الحسن اليوسي إلى محمد بنهيمة ، مرورا بعدد من الشخصيات التي تعاقبت على هذه الوزارة إلى إدريس البصري إلى عبد الوافي لفتيت، ظلت وزارة واحدة لا تتغير بالرغم من تغيير الأشخاص بها لتستمر بنفس الأسلوب . وزارة لا تستظل بظل الديمقراطية الحقة لتدبير الشأن العام ، بل تستظل بديمقراطية الواجهة التي تحمي الأوليغارشية وسياسة الريع . و لا تشتغل على إرساء أسس العدالة الاجتماعية والمجالية ،بل تشتغل على إرساء قواعد تقليص هامش الحريات وتوسيع مجالات المتابعات و العقاب .
السياق : إن نقل المشاريع الكبرى من يد المجالس المنتخبة إلى الإدارة الترابية تحت إشراف وزارة الداخلية، قرار له أبعاده السياسية التي تتجلى في فقدان الثقة من المجالس المنتخبة و يعكس تراجع الثقة في أداء الحكومة بعد سنوات من التعثر والصراعات الحزبية.
في هذا السياق تم تكليفها بمشروع برامج التنمية الترابية المندمجة لاستكمال حلقة الإعداد السياسي للمرحلة المقبلة،مرحلة استكمال المشاريع الكبرى وتأمين الاستثمارات الأجنبية و أيضا مرحلة لمونديال 2030. و هذا لن يتم إلا في إطار سياسة انتخابية توفر شروط صعود الأوجه المرغوب فيها للمرحلة ، و من تم فإن القوانين الانتخابية لم تعرف أي تحول جذري يقطع مع سياسة الماضي من حيث إعداد اللوائح الانتخابية أو مراجعة التقطيع الانتخابي وفق منظور علمي يساعد على المشاركة المكثفة في الانتخابات المقبلة و يعيد ثقة المواطنين و المواطنات بالمؤسسات الدستورية و التشريعية و التنفيذية و ايضا من خلال انتخابات نزيهة وشفافة . إن وزارة الداخلية إذن أصبحت المسؤولة على تدبير برامج "التنمية الترابية المندمجة" و المسؤولة على الانتخابات المقبلة . أي المسؤولة على الخارطة السياسية للمرحلة .
ثانپا : أي دور يبقى للحكومة في إعداد البرامج الإنمائية أو الإشراف على العمليات الانتخابية المقبلة؟
إن ما أقره المجلس الوزاري الأخير (9 أبريل 2026) يضع الحكومات المقبلة في وضعية أداة تنفيذية لما تقرره أم الوزارات من قوانين أو مساطير من شأنها أن تحمي تنفيذ البرامج الإنمائية في إطار برامج " التنمية الترابية المندمجة" التي يقودها نحو الوجود الولاة و العمال، وفق ما جاء في التصور العام الذي تقدم به وزير الداخلية أمام المجلس الوزاري. كما لا يبقى للحكومات المقبلة أي دور في وضع برامج تنموية إلا ما تمليه واجبات التدبير للشأن المحلي . و ما تفرضه الأوليغارشية من برامج لصالح أعمالها الريعية و من تبسيط شروط نهب الأراضي والثروات الطبيعية البرية و البحرية للبلاد .
يأتي القرار الذي جاء به المجلس الوزاري في هذا الشأن ليجعل المجالس المنتخبة و الحكومات معا في الفترة المعلن عنها في وضعية متتبع. هل هي إشارة إلى فشل النتائج الانتخابية للمستشارين الجماعيين و البرلمان و بالتالي المجالس المشكلة و الحكومة ؟ إن كان الأمر كذلك فما جدوى من انتخابات لم تتغير من حيث الجوهر و لا من حيث الشكل، بل تغيرت بعض المساطير التي تظل إجراءات تقنية و لا تساهم في تنزيل نمط انتخابي تتحكم فيه القواعد الديمقراطية الحقة و المحاسبة و المساءلة. إن أي تنزيل جديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة لا يجب أن يتم إلا بعد المحاسبة والمساءلة أولا و ترتيب الجزاءات .
ثالثا :هل فشلت الأحزاب في إعداد دراسات للتنمية و التخطيط و البرمجة ؟
هناك أحزاب تعاقبت على الكراسي الحكومية، أي كراسي مؤسسة دستورية تنفيذية ، واستفادوا من دعم مالي من الدراسات و التكوين ،لكن المجلس الأعلى للحسابات كشف تلاعبات في ذلك الدعم لبعض الأحزاب و كشف عن ضعف الدراسات التي تقدمت بها أخرى ،مما خلف فراغا ميدانيا في مجال التخطيط الاستراتيجي . و ما وعدت به الأحزاب/ الأغلبية لم يجد سبيله على أرض الواقع بل تمت ترجمته إلى تضارب المصالح والمصالح الشخصية على حساب التنمية المستدامة .
إن الخروج من النفق المظلم لفشل كل البرامج التنموية السابقة و اللاحقة لن يتم إلا عبر الديمقراطية الحقة التي تحمي البلاد و المواطنين و المواطنات من جشع أعداء الديمقراطية و حقوق الإنسان و لوبي الفساد و نهب المال العام و تضارب المصالح و الإثراء غير المشروع ، و إن أي شعار للدولة الاجتماعية لن يرى النور إلا من خلال العدالة الاجتماعية و المجالية و التوزيع العادل للثروات الوطنية وإرساء مبدأ المساواة بين الحقوق و الواجبات و ربط المسؤولية بالمحاسبة .









