توطئة
قدم سعيد رحيم الصحفي السابق بوكالة المغرب العربي للأنباء وأستاذ سابق بالمعهد العالي للصحافة بالدار البيضاء عرضا حول موضوع "تحولات أخلاقيات الصحافة في الزمن الإلكتروني"، تناول فيه الجوانب المرتبطة بأخلاقيات الصحافة وما طرأ عليها من متغيرات في الزمن الرقمي، حيث أصبحت طرق تداول المعلومة والخبر بشكل انسيابي متعدد المصادر والوسائط والمنصات الإخبارية محليا، وطنيا ودوليا.
وأشار في مستهل هذا العرض، بمناسبة الندوة التي نظمها المعهد المتخصص في كنولوجيا الفندقة والسياحة بالمحمدية مطلع أبريل 2026، حول موضوع: "دور الصحافة في الرواج السياحي" أنه من الأفضل الحديث عن كلمة "التنمية السياحية"، بدل "الرواج السياحي" لما يغطيه مفهوم التنمية من مساحات شاسعة مادية ومعنوية وأخلاقية مرتبطة أساسا بقطاع السياحة، تسمح فيما بعد بتحريك آليات الرواج، أو التسويق كمفهوم تجاري صرف.
قبل الدخول في تفاصيل الموضوع الذي تابعه طلبة وطالبات الطاقم التربوي والإداري للمعهد اعتبر رحيم أن الأخلاق المجتمعية والفردية تعد حجر الزاوية لأي نشاط سياحي، قبل الحديث عن أخلاقيات الصحافة ودورها في تنمية وتسويق
المنتوج في البلاد وقبل الشروع في الحصص التكوينية لصحافيات وصحافيين متخصصين في هذا القطاع التنموي الاستراتيجي.
استحضر رحيم - عضو منتدى الصحفيات والصحفيين الشرفيين بالمغرب - نموذجين في هذا الصدد، تتعلق الأولى بمواطن يهودي عالم من بيولوجي من أصل مغربي مزداد بالصويرة يعيش خارج المغرب، التقاه في نهاية القرن الماضي بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي حول الأمراض الوراثية
"Les maladies héréditaires"
والثانية لمّا كان أستاذا بالمعهد العالي للصحافة بالدار البيضاء.
بخصوص اليهودي المغربي؛ الذي أرفق زوجته معه إلى مدينة الصويرة حيث اقتنت من سوق العرعار الشهير بالمدينة كرسيا بضعف سعره الحقيقي عشر مرات، دعاها لإعادة الكرسي لصاحبه منبها إياه إلى الدعاية العفوية التي قد تقوم بها زوجته حين عودتها إلى فرنسا. ستشيع بين معارفها أنها اقتنت كرسيا يعرف الكثيرون أن سعره مبالغ فيه جدا، مما يخلف اثرا سلبيا ليس على البائع وحده، بل يسبب الكساد للسياحة المحلية. طلب من البائع استرجاع الكرسي أو بيعه بسعره العادي بدل المساهمة في الإساءة إلى سمعه السوق وإلى السياحة في المغرب عموما، وكذلك كان.
بخصوص النموذج الثاني المتعلق بظاهرة الإخلال بأخلاق مهنة الصحافة استحضر رحيم - جوابه على سؤال لأحد طالباته بقسم التخرج من معهد الصحافة بالعاصمة الاقتصادية. يتعلق السؤال بمصير بعض الجرائد المغربية الورقية، آنذاك، ما تلبت أن تختفي بعد ظهورها المثير عند انطلاقتها، موضحا "إنه في ذلك اليوم، وهو في طريقه نحو المعهد لفت نظره عنوان جذاب على رأس الصفحة الأولى لجريدة بأحد الأكشاك وسط المدينة. يقول العنوان بالحرف الواحد:
"انقلاب في صفوف الجيش". دفع ثمن الجريدة وأخذ يقلب صفحاتها وصولا إلى
تفاصيل الخبر المثير للجدل لارتباطه بمصير البلاد وبالسياسة العامة، بالنظر إلى ما سبق حدوثه من تجارب سابقة في المغرب. لكن لم يكن موضوع العنوان الحقيقي وتفاصيله سوى عن "أحداث نزاعات طبيعية في صفوف فريق الجيش الملكي لكرة القدم".. شعر بخيبة وشماتة من أسلوب لا مهني لا أخلاقي في التلاعب بالكلمات على طريقة الابتزاز والنصب والاحتيال، كما هو شأن بائع كرسي العرعار.
خلاصة النموذجين؛ نفور الزبون من البضاعة السياحية والقارئ من البضاعة الصحفية في غياب الأخلاق المهنية، المترابطة. لقد أقفلت هذه الجريدة بعد شهور واندثر صحافيوها في الطبيعة. هكذا تفلس المؤسسات الصحفية حين لا تحترم مبادئ أخلاقيات الصحافة فتفقد رأسمال الصحافة، الذي هو المصداقية.
- عود على بدء ـ
انطلاقا من هذه التوطئة يمكن الاعتراف بأن مسألة أخلاقيات التواصل، بصفة عامة أهم عامل في الوعي بالتواصل، تنميتها أو إعاقتها ما لم يتم احترام قواعد العمل بدءا من احترام الصحفي لنفسه قبل غيره.
"IL n'y a de plus terrible dans la communication que l'inconscience de la communication" (P. Bourdieu)
إن الانتقال المتسارع من الصحافة التقليدية إلى الصحافة الإلكترونية، العالم الرقمي، جعل أخلاقيات الصحافة تدخل تعقيدات جديد لم يبق القارئ أو المشاهد أو المستمع في منأى عن عملية الإنتاج الإعلامي، بل صار منخرطا، متفاعلا معه، يتأثر به ويؤثر فيه، بشكل مباشر، ما كان غير ممكن في زمن سابق ولُقّب لاحقا ب"الصحفي المواطن".
يقول المثل المهني:
"Tout le monde peut devenir journaliste, mais tout le monde n'est pas journaliste".
منح العالم الرقمي لهذه العبارة وقعها السحري على مستعملي الأنترنيت. لقد نقل أخلاقيات الصحافة من الطباعة والسمعي البصري - باعتبارها سلطة في وجه الشطط، تمنع التعدي على باقي السلط بما فيها سلطة المجتمع - إلى أخلاقيات تبحث عن حماية الصحافة ذاتها من التفتت، من الانصهار أو التحلل على أيدي من دخل فضاءات الإعلام الرقمي بصفة صانع المحتوى "يوتوبرز" والذي لا يحتاج الاطلاع علي محتوياته سوى نقرة "clik" على شاشة الهاتف المحمول، أو على فأرة الحاسوب.
على خلاف الصحافة المهنية جذورها ضاربة في القدم تخضع موادها الإعلامية عملية تكرير داخل مجالس التحرير، من منطلق أن "الخبر هو الخبر والرأي هو الرأي"، فإن صناعة المحتوى الرقمي غالبا ما يخضع لرغبات وتوجهات فردية، جعل أخلاقيات الصحافة معرضة لانتهاكات على الأنترنيت وأمام معضلات وإشكاليات جديدة تتحول إلى فطريات تتوالد بلا حدود.
ـ أخلاقيات العصر الإلكتروني ـ
هنا نطرح تساؤلا منهجيا حول أخلاقيات الصحافة في العصر الإلكتروني؛ حول ما إذا كانت تشكل استمرارا للصحافة التقليدية بقيمها ومبادئها، أو قطيعة مع المنظومة الأخلاقية العريقة.
يمكن من البداية الإقرار، بأن العالم العربي - باستثناء حالات نادرة مازال بعيدا عن توجيهات الصحافة العالمية التي تضع - إلى حد ما وبما يتماشى مع منظومة القيم الغربية الرأسمالية تحديدا - تضع أخلاقيات الصحافة الرقمية في صلب أولوياتها نظرا للتطور الهائل للمنصات الرقمية عالميا.
لقد مكن عالم الأنترنيت الفرد من أن يصير ناشرا لما يشاء من الأخبار والمواد الإعلامية ومن المعلومات كيفما كانت، دون تمحيص أو تحري في صحتها وحتى دون التفكير في مصداقية المنصة الإلكترونية التي يتفحصها. على خلاف أسلوب الصحافة التقليدية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
إن ما يشجع على توسيع دائرة فيروسات انتهاك أخلاقية الصحافة ما يطلق عليه
"الرند - الهاشتاك" الرائج بقوة عند المؤثرين الآليين:
(Les influenceurs)
الأكثر اشتغالا داخل مؤسسة الإعلام الرقمي توفر الرواج والزخم والانتشار الأوسع لمعلومة بفضل الخوارزميات، مهما كانت طبيعة المعلومة وحمولاتها القيمية والأخلاقية.
من أهم سلبيات الخوارزميات و"الهاشاك" هندسة تفضيلات المتصفح العادي لمنصات الرقمية؛ توجه اختياراته داخل ما يسمى "صدى الغرف" "Chambres" حيث يتم عزله عن الاراء المخالفة لتوجهات واختيارات.
إنه السؤال المؤرق حول الدور الذي صارت تشغله الخوارزميات، هل حلّت محل وظيفة هيئة التحرير المنصوص عليها في مواثيق الصحافة العريقة تحت مبدأ "ديمقراطية التحرير" التي يتحكم فيها ويسرها الصحافيون؟. فبما أن خوارزميات فايسبوك، أنستغرام، غوغل.. ومنصات التواصل الاجتماعي تتيح لمستخدمها بناء نموذج إعلامي شكلا ومضونا بمنأى عن اختيارات الصحفيين وهيئة التحرير عبر جمعها أكبر قدر من المعطيات الخاصة بميولات رواد الانترنيت، فإنها قد اكتسبت القدرة على الوصول إلى أكبر عدد من المتصفحين خصوصا عندما يتعلق الأمر بنشر الأخبار الكاذبة والحيلولة دون تصحيحها أو التعليق عليها، من خلال التحكم في خانة التعليق المباشر. أي أن الخوارزميات تكتسب نتيجة لذلك سلطة إيصال الخبر - المادة الإعلامية إلى من تستهدفهم من المتصفحين.
إن دوراً بهذه الصلاحيات، تتحكم فيه مجموعة صغيرة من مهندسي الخوارزميات و"الهشتاك" - القائمين على برمجة المنصات الإلكترونية - جعل من هيئة التحرير
مجرد آلية لإنتاج الأخبار، دون القدرة على تحديد أولوياتها وترويجها وإيصالها إلى الجمهور.
ـ تأثير الخورميات على التحرير الصحفي ـ
من غير المستبعد، في سياق حصاد المعلومة، اعتمادا على الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، ألا يسقط الصحفي في الإشكالية الأخلاقية بفعل التعامل مع المعلومة المتدفقة التي برمجها مهندسو الخوارزميات (الرند- هاشتاك). مما يحتمل أن تتضمنه المعلومة من مغالطات وتحريف للحقائق مع غياب القدرة على التميزي والتحري في صدقية الخبر، بالشكل الذي يمارسه مجلس التحرير
(le conseil de redaction)
إن الافتقاره إلى الأدوات المعرفية، التي أتاحها النشر الإلكتروني، فضلا عن ضغوطات هاجس "السبق والإثارة"، لا يجد ما يبرره سوى في عجز الصحفي عن فهم أخلاقيات الصحافة، ما يتسبب في السقوط في تحريف الخبر الأصل وفي تجريد الصحافة الرصينة من قيمتها ومصداقيتها وتراجع ثقة الجمهور في الصحافة.
أمام هذه المعادلة - الإشكالية الأخلاقية تتزايد حاجيات الصحفي إلى فكر نقدي حيال مصادره من الأنترنيت ومن منصات التواصل الاجتماعي؛ ما يشاهده، ما يسمعه وما يقرؤه.
على عتبات فهم أخلاقيات الصحافة وأدواتها المعرفية لملامسة فكر نقدي هناك أهمية الوعي بحملات "الهشتاك"، التي تتطلب مجهودا شخصيا بغاية الحفاظ على المهنية وعلى صدقية المحتوى. كذلك التقليل من تفحص المنصات الرقمية ذات المحتويات الترفيهية، أو التفاهة، أو التي تطلب من المتصفح الصحفي بريده الإلكتروني بدل الإبقاء على تواصل مع المنصات الإلكترونية الجادة، إلى جانب الحفاظ على قراءة الصحافة العريقة.
- التضليل الإعلامي ـ
استحضر سعيد رحيم في ختام عرضه بهذه الندوة العلمية نموذجين من مناهج التضليل الإعلامي. النموذج الأول "متلازمة آش - Asch conformity"، التجربة العلمية التي قام بها عالم النفس الاجتماعي البولوني "سلومون آش" ستينيات القرن الماضي. توضح هذه التجربة مدى قدرة (الترند) الزائف على التأثير في وعي الجمهور، حيث دفع أشخاصا لتبني آراء تخالف ما تراهم أعينهم عن طريق الضغط الوسط المجتمعي.
ويتعلق النموذج المنهجي الثاني بنظرية "لولب الصمت"
"le spirale du silence"
لعالمة الاجتماع والعلوم السياسية الألمانية إليزابيت نيومان. تؤكد هذه النظرية خطورة "الترند/الهشتاك" الزائف في تضخيم الآراء الكريهة، المنبوذة التي قد تعتنقها فئة قليلة من الأشخاص في وسط ما وجعلها أكثر شيوعا.
تقول نظرية "لولب الصمت، أو دوامة الصمت": إن الأفراد يخشون الإحساس بفكرة بالعزلة التي يمكن أن يدخلوها حالما عبروا عن آرائهم بصدد الكراهية وعن دعمهم نظريات غير حقيقية (كنظرية المؤامرة حول كل شيء) كان معتنقوها بخشون التعبير عنها وإشهارها علانية في وقت سابق على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها منبوذة أخلاقيا. غير أن تطور التواصل عبر وسائط العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي قد أتاح للذباب الرقمي، بشكل ممنهج، نشر الأكاذيب والأخبار الزائفة على صعيد أوسع فصار معتنقو هذه الأخيرة أكثر جرأة على استعراضها لاعتقادهم أن جمهورا افتراضيا يشاركهم ذات الأفكار الزائفة المنبوذة، كما هو الشأن هذه الأيام في حروب الشرق الأوسط والخليج. تساهم هذه الأفكار في التشويش على إيقاع المجتمع المتصفح/ المستهلك "للترند"، ما يتعارض مع المصلحة العامة ويثير جملة من الأسئلة الأخلاقية في العمل الصحفي الجاد.
وأشار في مستهل هذا العرض، بمناسبة الندوة التي نظمها المعهد المتخصص في كنولوجيا الفندقة والسياحة بالمحمدية مطلع أبريل 2026، حول موضوع: "دور الصحافة في الرواج السياحي" أنه من الأفضل الحديث عن كلمة "التنمية السياحية"، بدل "الرواج السياحي" لما يغطيه مفهوم التنمية من مساحات شاسعة مادية ومعنوية وأخلاقية مرتبطة أساسا بقطاع السياحة، تسمح فيما بعد بتحريك آليات الرواج، أو التسويق كمفهوم تجاري صرف.
قبل الدخول في تفاصيل الموضوع الذي تابعه طلبة وطالبات الطاقم التربوي والإداري للمعهد اعتبر رحيم أن الأخلاق المجتمعية والفردية تعد حجر الزاوية لأي نشاط سياحي، قبل الحديث عن أخلاقيات الصحافة ودورها في تنمية وتسويق
المنتوج في البلاد وقبل الشروع في الحصص التكوينية لصحافيات وصحافيين متخصصين في هذا القطاع التنموي الاستراتيجي.
استحضر رحيم - عضو منتدى الصحفيات والصحفيين الشرفيين بالمغرب - نموذجين في هذا الصدد، تتعلق الأولى بمواطن يهودي عالم من بيولوجي من أصل مغربي مزداد بالصويرة يعيش خارج المغرب، التقاه في نهاية القرن الماضي بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي حول الأمراض الوراثية
"Les maladies héréditaires"
والثانية لمّا كان أستاذا بالمعهد العالي للصحافة بالدار البيضاء.
بخصوص اليهودي المغربي؛ الذي أرفق زوجته معه إلى مدينة الصويرة حيث اقتنت من سوق العرعار الشهير بالمدينة كرسيا بضعف سعره الحقيقي عشر مرات، دعاها لإعادة الكرسي لصاحبه منبها إياه إلى الدعاية العفوية التي قد تقوم بها زوجته حين عودتها إلى فرنسا. ستشيع بين معارفها أنها اقتنت كرسيا يعرف الكثيرون أن سعره مبالغ فيه جدا، مما يخلف اثرا سلبيا ليس على البائع وحده، بل يسبب الكساد للسياحة المحلية. طلب من البائع استرجاع الكرسي أو بيعه بسعره العادي بدل المساهمة في الإساءة إلى سمعه السوق وإلى السياحة في المغرب عموما، وكذلك كان.
بخصوص النموذج الثاني المتعلق بظاهرة الإخلال بأخلاق مهنة الصحافة استحضر رحيم - جوابه على سؤال لأحد طالباته بقسم التخرج من معهد الصحافة بالعاصمة الاقتصادية. يتعلق السؤال بمصير بعض الجرائد المغربية الورقية، آنذاك، ما تلبت أن تختفي بعد ظهورها المثير عند انطلاقتها، موضحا "إنه في ذلك اليوم، وهو في طريقه نحو المعهد لفت نظره عنوان جذاب على رأس الصفحة الأولى لجريدة بأحد الأكشاك وسط المدينة. يقول العنوان بالحرف الواحد:
"انقلاب في صفوف الجيش". دفع ثمن الجريدة وأخذ يقلب صفحاتها وصولا إلى
تفاصيل الخبر المثير للجدل لارتباطه بمصير البلاد وبالسياسة العامة، بالنظر إلى ما سبق حدوثه من تجارب سابقة في المغرب. لكن لم يكن موضوع العنوان الحقيقي وتفاصيله سوى عن "أحداث نزاعات طبيعية في صفوف فريق الجيش الملكي لكرة القدم".. شعر بخيبة وشماتة من أسلوب لا مهني لا أخلاقي في التلاعب بالكلمات على طريقة الابتزاز والنصب والاحتيال، كما هو شأن بائع كرسي العرعار.
خلاصة النموذجين؛ نفور الزبون من البضاعة السياحية والقارئ من البضاعة الصحفية في غياب الأخلاق المهنية، المترابطة. لقد أقفلت هذه الجريدة بعد شهور واندثر صحافيوها في الطبيعة. هكذا تفلس المؤسسات الصحفية حين لا تحترم مبادئ أخلاقيات الصحافة فتفقد رأسمال الصحافة، الذي هو المصداقية.
- عود على بدء ـ
انطلاقا من هذه التوطئة يمكن الاعتراف بأن مسألة أخلاقيات التواصل، بصفة عامة أهم عامل في الوعي بالتواصل، تنميتها أو إعاقتها ما لم يتم احترام قواعد العمل بدءا من احترام الصحفي لنفسه قبل غيره.
"IL n'y a de plus terrible dans la communication que l'inconscience de la communication" (P. Bourdieu)
إن الانتقال المتسارع من الصحافة التقليدية إلى الصحافة الإلكترونية، العالم الرقمي، جعل أخلاقيات الصحافة تدخل تعقيدات جديد لم يبق القارئ أو المشاهد أو المستمع في منأى عن عملية الإنتاج الإعلامي، بل صار منخرطا، متفاعلا معه، يتأثر به ويؤثر فيه، بشكل مباشر، ما كان غير ممكن في زمن سابق ولُقّب لاحقا ب"الصحفي المواطن".
يقول المثل المهني:
"Tout le monde peut devenir journaliste, mais tout le monde n'est pas journaliste".
منح العالم الرقمي لهذه العبارة وقعها السحري على مستعملي الأنترنيت. لقد نقل أخلاقيات الصحافة من الطباعة والسمعي البصري - باعتبارها سلطة في وجه الشطط، تمنع التعدي على باقي السلط بما فيها سلطة المجتمع - إلى أخلاقيات تبحث عن حماية الصحافة ذاتها من التفتت، من الانصهار أو التحلل على أيدي من دخل فضاءات الإعلام الرقمي بصفة صانع المحتوى "يوتوبرز" والذي لا يحتاج الاطلاع علي محتوياته سوى نقرة "clik" على شاشة الهاتف المحمول، أو على فأرة الحاسوب.
على خلاف الصحافة المهنية جذورها ضاربة في القدم تخضع موادها الإعلامية عملية تكرير داخل مجالس التحرير، من منطلق أن "الخبر هو الخبر والرأي هو الرأي"، فإن صناعة المحتوى الرقمي غالبا ما يخضع لرغبات وتوجهات فردية، جعل أخلاقيات الصحافة معرضة لانتهاكات على الأنترنيت وأمام معضلات وإشكاليات جديدة تتحول إلى فطريات تتوالد بلا حدود.
ـ أخلاقيات العصر الإلكتروني ـ
هنا نطرح تساؤلا منهجيا حول أخلاقيات الصحافة في العصر الإلكتروني؛ حول ما إذا كانت تشكل استمرارا للصحافة التقليدية بقيمها ومبادئها، أو قطيعة مع المنظومة الأخلاقية العريقة.
يمكن من البداية الإقرار، بأن العالم العربي - باستثناء حالات نادرة مازال بعيدا عن توجيهات الصحافة العالمية التي تضع - إلى حد ما وبما يتماشى مع منظومة القيم الغربية الرأسمالية تحديدا - تضع أخلاقيات الصحافة الرقمية في صلب أولوياتها نظرا للتطور الهائل للمنصات الرقمية عالميا.
لقد مكن عالم الأنترنيت الفرد من أن يصير ناشرا لما يشاء من الأخبار والمواد الإعلامية ومن المعلومات كيفما كانت، دون تمحيص أو تحري في صحتها وحتى دون التفكير في مصداقية المنصة الإلكترونية التي يتفحصها. على خلاف أسلوب الصحافة التقليدية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
إن ما يشجع على توسيع دائرة فيروسات انتهاك أخلاقية الصحافة ما يطلق عليه
"الرند - الهاشتاك" الرائج بقوة عند المؤثرين الآليين:
(Les influenceurs)
الأكثر اشتغالا داخل مؤسسة الإعلام الرقمي توفر الرواج والزخم والانتشار الأوسع لمعلومة بفضل الخوارزميات، مهما كانت طبيعة المعلومة وحمولاتها القيمية والأخلاقية.
من أهم سلبيات الخوارزميات و"الهاشاك" هندسة تفضيلات المتصفح العادي لمنصات الرقمية؛ توجه اختياراته داخل ما يسمى "صدى الغرف" "Chambres" حيث يتم عزله عن الاراء المخالفة لتوجهات واختيارات.
إنه السؤال المؤرق حول الدور الذي صارت تشغله الخوارزميات، هل حلّت محل وظيفة هيئة التحرير المنصوص عليها في مواثيق الصحافة العريقة تحت مبدأ "ديمقراطية التحرير" التي يتحكم فيها ويسرها الصحافيون؟. فبما أن خوارزميات فايسبوك، أنستغرام، غوغل.. ومنصات التواصل الاجتماعي تتيح لمستخدمها بناء نموذج إعلامي شكلا ومضونا بمنأى عن اختيارات الصحفيين وهيئة التحرير عبر جمعها أكبر قدر من المعطيات الخاصة بميولات رواد الانترنيت، فإنها قد اكتسبت القدرة على الوصول إلى أكبر عدد من المتصفحين خصوصا عندما يتعلق الأمر بنشر الأخبار الكاذبة والحيلولة دون تصحيحها أو التعليق عليها، من خلال التحكم في خانة التعليق المباشر. أي أن الخوارزميات تكتسب نتيجة لذلك سلطة إيصال الخبر - المادة الإعلامية إلى من تستهدفهم من المتصفحين.
إن دوراً بهذه الصلاحيات، تتحكم فيه مجموعة صغيرة من مهندسي الخوارزميات و"الهشتاك" - القائمين على برمجة المنصات الإلكترونية - جعل من هيئة التحرير
مجرد آلية لإنتاج الأخبار، دون القدرة على تحديد أولوياتها وترويجها وإيصالها إلى الجمهور.
ـ تأثير الخورميات على التحرير الصحفي ـ
من غير المستبعد، في سياق حصاد المعلومة، اعتمادا على الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، ألا يسقط الصحفي في الإشكالية الأخلاقية بفعل التعامل مع المعلومة المتدفقة التي برمجها مهندسو الخوارزميات (الرند- هاشتاك). مما يحتمل أن تتضمنه المعلومة من مغالطات وتحريف للحقائق مع غياب القدرة على التميزي والتحري في صدقية الخبر، بالشكل الذي يمارسه مجلس التحرير
(le conseil de redaction)
إن الافتقاره إلى الأدوات المعرفية، التي أتاحها النشر الإلكتروني، فضلا عن ضغوطات هاجس "السبق والإثارة"، لا يجد ما يبرره سوى في عجز الصحفي عن فهم أخلاقيات الصحافة، ما يتسبب في السقوط في تحريف الخبر الأصل وفي تجريد الصحافة الرصينة من قيمتها ومصداقيتها وتراجع ثقة الجمهور في الصحافة.
أمام هذه المعادلة - الإشكالية الأخلاقية تتزايد حاجيات الصحفي إلى فكر نقدي حيال مصادره من الأنترنيت ومن منصات التواصل الاجتماعي؛ ما يشاهده، ما يسمعه وما يقرؤه.
على عتبات فهم أخلاقيات الصحافة وأدواتها المعرفية لملامسة فكر نقدي هناك أهمية الوعي بحملات "الهشتاك"، التي تتطلب مجهودا شخصيا بغاية الحفاظ على المهنية وعلى صدقية المحتوى. كذلك التقليل من تفحص المنصات الرقمية ذات المحتويات الترفيهية، أو التفاهة، أو التي تطلب من المتصفح الصحفي بريده الإلكتروني بدل الإبقاء على تواصل مع المنصات الإلكترونية الجادة، إلى جانب الحفاظ على قراءة الصحافة العريقة.
- التضليل الإعلامي ـ
استحضر سعيد رحيم في ختام عرضه بهذه الندوة العلمية نموذجين من مناهج التضليل الإعلامي. النموذج الأول "متلازمة آش - Asch conformity"، التجربة العلمية التي قام بها عالم النفس الاجتماعي البولوني "سلومون آش" ستينيات القرن الماضي. توضح هذه التجربة مدى قدرة (الترند) الزائف على التأثير في وعي الجمهور، حيث دفع أشخاصا لتبني آراء تخالف ما تراهم أعينهم عن طريق الضغط الوسط المجتمعي.
ويتعلق النموذج المنهجي الثاني بنظرية "لولب الصمت"
"le spirale du silence"
لعالمة الاجتماع والعلوم السياسية الألمانية إليزابيت نيومان. تؤكد هذه النظرية خطورة "الترند/الهشتاك" الزائف في تضخيم الآراء الكريهة، المنبوذة التي قد تعتنقها فئة قليلة من الأشخاص في وسط ما وجعلها أكثر شيوعا.
تقول نظرية "لولب الصمت، أو دوامة الصمت": إن الأفراد يخشون الإحساس بفكرة بالعزلة التي يمكن أن يدخلوها حالما عبروا عن آرائهم بصدد الكراهية وعن دعمهم نظريات غير حقيقية (كنظرية المؤامرة حول كل شيء) كان معتنقوها بخشون التعبير عنها وإشهارها علانية في وقت سابق على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها منبوذة أخلاقيا. غير أن تطور التواصل عبر وسائط العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي قد أتاح للذباب الرقمي، بشكل ممنهج، نشر الأكاذيب والأخبار الزائفة على صعيد أوسع فصار معتنقو هذه الأخيرة أكثر جرأة على استعراضها لاعتقادهم أن جمهورا افتراضيا يشاركهم ذات الأفكار الزائفة المنبوذة، كما هو الشأن هذه الأيام في حروب الشرق الأوسط والخليج. تساهم هذه الأفكار في التشويش على إيقاع المجتمع المتصفح/ المستهلك "للترند"، ما يتعارض مع المصلحة العامة ويثير جملة من الأسئلة الأخلاقية في العمل الصحفي الجاد.









