HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة

عن السياسة والكذب في المغرب


حقائق بريس
السبت 29 أغسطس 2026



ملخص: تتجلى المشكلة في المغرب في أن هناك فئات مستفيدة تحاول أن تقنعنا بأنه لا يمكن إبداع أفضل مما كان…


عن السياسة والكذب في المغرب
تنفلت الدولة عندنا من التصنيف الأكاديمي المعهود، سواء عند أرسطو وعلاقة الدولة بإنتاج الأفضل للفرد والمدينة، أو ابن خلدون في كون الدولة حالة عصبية انتصرت على عصبيات، أو مكيافيلي ونظرية الأمير المخيف بدل المحبوب، أو هيجل كتحقق للعقل، أو حتى هوبز ونظرية الخوف، التي قد تجد كثيرًا من الأوصاف التي تلائمها في حالتنا، أو فيبر ونظرية احتكار العنف…

ربما الأقرب في حالتنا من النظريات هو توصيف حنا آرندت في ربطها السياسي بالكذب، الكذب الذي يصدقه الكاذب نفسه، بمعنى محاولة خلق واقع مزيف يجب أن يقتنع به الناس.

نقترح هذه الأطروحة البسيطة لتفكيك هذا الكذب، وقبله توصيف الفئات التي تمارسه علنًا أو في الخفاء، ومن وراء حجاب. دون نسيان أن الكذب نفسه لا يمكن أن نتحدث عنه دون نصيب من الصدق، بمعانيه المختلفة…

الفئة الأولى والأبرز، المحترفون في السياسة:

هي الظاهر الأول من جبل الجليد، هي الحكومة، وربما تشكل الحالية أوج هذا التجلي للكذب، الذي يتمظهر في مناقضة الأفعال للأقوال، في رفع شعارات الكفاءة والعدالة الاجتماعية، مع ضرب ذلك في الأفعال، بالعمل الدؤوب على تسهيل المأمورية للريعية، ومأسسة الفساد، بربط المسؤولية السياسية بالمصالح الاقتصادية، بتقوية فرص الأثرياء الكبار وتوسيع نفوذهم، وضرب المكتسبات الشعبية. وتبرير كل شيء بحروب هنا وهناك، ونظرية استيراد التضخم.

هذه الحكومة أقسمت ألا تخرج من مركز القرار حتى تسن القوانين التي تسهل انقضاض الأثرياء، الورثة منهم والسياسيين، على الخيرات، وعلى منع الفئات المتوسطة الطموحة من الوصول إلى بعض الرفاه، وعلى الكذب على البقية بمعونات بئيسة تتوقف ما أن يشتري المنتفع المسكين رقاقة هاتف ذكي…

إلى جانب هذا الفيلق الطلائعي، تتراص قوى المنتمين إلى الأحزاب الطامحة إلى نصيب من الكعكة التي وُعِدوا بها في الغرف المغلقة. استراتيجية هؤلاء: عضة فالجمل ولا يفلت، فيقيمون مؤتمرات وحيلًا شيطانية توصل إلى الفوق من يعرف من أين يؤكل الكتف، وترمي البقية في الانتظار أو القنوط.

الفئة الثانية، الإعلام كاري حنكو، والمثقف «العميق»

من أجل نشر وتفسير وتحليل الواقع التخييلي الذي تشتهيه الفئة الأولى بتلاوينها الظاهرة والخفية، وتجاوزًا لحالة سنوات الرصاص، وقطع الطريق على اليسار الذي احتكر المجال الثقافي والفكري والأدبي لعقود، خُلقت أكذوبة أخرى، وتتجلى في تبوؤ مواقع نشر، ليس الإيديولوجيا، فهذه لها أماكن أكثر «رزانة»، هي المساجد والفتوى، فيما يخص ما يحتاج إليه من التبرير التقليدي، أما الحداثوي فيتفنن فيه رهط يحفظ رؤوس الأقلام، والهياكل الفارغة للكلام والأفكار، ليس من أجل الحوار والإقناع، وإنما من أجل الإبهار. فئتان داخل فئة واحدة، الأولى تتخصص في السؤال، والثانية في الجواب. وأحيانًا تتبادل الأدوار، من أجل التعويم وطمس النقاش المثمر، الذي أنتج مثقفين عضويين من عيار ثقيل، ذات زمان غير بعيد، ما زال أثرهم ساري المفعول لدى من لا يبحث عن المفرقعات والقوقعات اللفظية.

هذه الفئة تجتهد في إنتاج كلمات جوفاء مثل «الهركاوي»، يراد بها وبغيرها توجيه الرأي نحو مسؤولية الشعب بدل كلمات قوية تكاد تكون مفاهيم، مثل «الشناقة» و«الفراقشية»، التي لخص فيها المجتمع السلوك الريعي الطفيلي بإبداع كبير. كما أن هذه الفئات مغرمة، في شقها الحداثوي، ببعض قشور الهوية، أو ما يدور حول الحريات الفردية، دون تمحيص، ودون مراعاة للصيرورات التاريخية والحضارية والثقافية، أما في شقها التقليدي فيركز على الأمن الروحي ومحاربة التغريب.

وسواء كنا هنا أو هناك، فهذه الفئات البهرجية تخدم، مقابل فتات توظف به، الجزء الخفي من جبل الثلج، فئة المال والأعمال.

الفئة الثالثة، المال والأعمال

هي الفئة التي لا تتكلم وإنما تفعل، تشتري كل شيء، الخبرة المالية والقانونية خاصة، جلها من الورثة، تشكل المليارديرات التي ورثت أراضي وشركات المعمرين، واستثمرت في الضيعات والعقار، وبعد ذلك الأبناك، وإنتاج المال للمال، وهي الآن تقترب أكثر من الصناعة. هي فئة صامتة، لكنها أقحمت مؤخرًا في السياسة بعد عتاب الحلفاء الليبراليين والمؤسسات المالية والتجارية التي تريد أن ينفتح المغرب على الاستثمارات العابرة للقارات وطريقًا لإفريقيا خاصة…

في مقابل هذه الفئات، هناك الأغلبية الصامتة، وهي أيضًا فئات، المغيبة عن الكلام بعدم القدرة، أو الجهل، أو تغطية الضجيج المفتعل لصوتها خاصة، بذلك فهي ليست بذلك الوصف الكاذب أيضًا على أنها عامة وغوغاء بطبيعتها، هي فئة تحتاجها الفئات السابقة، وتعمل على تأبيدها…

إلى جانب هذه الفئات المكرسة للوضع، والمفرملة للتنمية والتقدم، وبشكل فاحش يتفاقم سنة بعد أخرى، وموسم انتخابي بعد آخر، توجد فئات مناقضة، في الخطاب على الأقل، فئات بعضها ما زال إيديولوجيًا، إما من بقايا النقد الماركسي والمتطرف، أو حتى الحالم أحيانًا، أو من خلفية التوق إلى العودة إلى الخلافة وأمجاد المسلمين، مع انحسار كبير للقومية العربية، والتي لم تعد سوى في كتابات الأدباء المرتادين للندوات والمؤتمرات في بلدان الشرق، وانحسار كبير أيضًا للاشتراكية التي أدمجت أحزابها في الاحتراف السياسي.

إلى جانب هذه المعارضات الكلاسيكية، هناك الظاهرة الجديدة التي تقض مضجع الريعيين، وهي الاحتجاجات، التي ما أن تنتهي واحدة حتى تظهر أخرى، وهي إن دلت على شيء، إنما تدل على فساد لعبة الاحتراف السياسي برمتها، وعلى أن الوضع يحتاج إلى ثورة بالمعنى العميق لهذه الكلمة، ثورة أولًا في الإرادة، التي بإمكانها الآن وحدها أن تفعل شيئًا بعدما تمكن الريعيون من إقفال كل منافذ التحرر، ثورة سياسية أولًا تضمن الاختيار السياسي الحر الذي يفكك الاحتراف السياسي، ويعيد المعنى لأن تنتمي لتنظيم لا يسير عن بعد، ثورة دستورية تشمل كل مستويات التعاقد السياسي والقيمي، ثم ثورة ثقافية تركز على محاربة احتلال مواقع التعبير لفتح الباب أمام النقاش العمومي الحقيقي حول قضايا حاسمة مثل المدرسة والأسرة والتغطية الاجتماعية والحريات الفردية، وغيرها من الموضوعات المتروكة الآن للتطفل والهواية والتجييش والشعبوية.

وماذا عن الكذب؟

الكذب عند الفئات الريعية هو بالدرجة الأولى صناعة الواقع، وتصريفه على أنه هو الكائن الأوحد والحقيقة المقدسة، ويُجهَّز من أجل ذلك ترسانة من البشر والحجر، الأحزاب السياسية أولًا، المصنوعة مخبريًا، أو التي التحقت به، تستولي على كل ما يتحرك، الإدارة كخليط من منفذين وببغاوات تحفظ المساطر، وتتقن حفظ الملفات، وقبل هذا وذاك الولاء لمن أصبح…

ينتشر الكذب شفهيًا ومكتوبًا، على شكل قوانين ومساطر وعادات وطقوس، فتنتشر التعابير المريضة مثل «ليد اللي ما تقدر تقطع بوسها»، و«الغفلة بين البايع والشاري»، و«اللي ما عندو سيدو عندو لالاه»… وغيرها من المسكوكات التي تنافح عن الانبطاح واليأس والعبودية، ثم في المكتوب عبر المساطر البيروقراطية وتقديس السلم الإداري، ويصبح الأمر مقننًا بجزاءات وإلزام…

وأعلى من كل ذلك، تسيير كل شيء وفق قانوني الولاء والحماية…

تستضمر الإيديولوجيا المهزومة، فتصبح الواقع الذي ليس في الأمر سوى أكذوبة صدقها الجميع…

وماذا بعد؟

صحيح أن الصفحة ليست كلها سوداء، فيها بعض الأمل في نخبة ما زالت تكافح ليس من أجل أي إيديولوجيا أو تنظيم، وإنما من أجل نشر الجمال والخير، والنقد خاصة، ببساطة لأن أمر الإصلاح المؤسساتي أصبح مستعصيًا، فتوجه من بقي من العقلاء إلى إصلاح الذوق…

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 10:45 المغاربة و الحصيلة الحكومية في سطور

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير