HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة

الإسلام في أبعاده التيولوجية والارثودوكسية عند محمد أركون


محمد دخاي
السبت 1 سبتمبر 2018




الإسلام في أبعاده التيولوجية والارثودوكسية عند محمد أركون


عندما يقوم الإسلام السياسي باستنساخ مقولات ماضوية لتزكية خطابه فانه يعيد التذكير بتاريخ تكوين اللغوي تراثيا والتراثي لغويا أي بالبحث عن تراكمات ثقافية يزكي بها شرعية هويته حتى يؤدي وظائفه في اختراق التراكمات السياسية المرتبطة بالاجتهادات الفردية اليومية وتفاعلاتها الاجتماعية من اجل قولبتها في إطار مقدس ولبوس ديني يجدد لغته ومعه تصير عملية التلقي قادرة على إعادة تشخيص آليات جديدة يتحكم فيها الديني وبسلطة تهيمن على اليومي بإكراهات اسطرة الواقع وتحويله إلى نمط متخيل غير متجاوز في اللاشعور الجمعي .
الراحل محمد أركون من الدين عملوا على استغوار فكر راهن على البحث في العقل الإسلامي وهو الذي رفض الحديث عما يسميه بجيوسياسية إسلامية كما تحددها النظرة الثيولوجية الارتودوكسية.
محمد أركون انطلق في أبحاثه ودراساته من أن القران نص متعدد المعاني ومفتوح على الدلالات لكنه يقر باختلاف قراءته بسبب تعددية الجماعات العرقية الثقافية التي استمدت من الإسلام عناصر مشكلة لهوياتها فأصبحنا نتحدث عن إسلام سعودي وآخر باكستاني وآخر مغربي .....الخ
أركون يرى أن الفكر الإسلامي تراجع عن نقد مفهوم الارثودكسية في الإسلام مما يعكس القوة التوحيدية للإسلام بحكم أن الارثودكسية تعني هي الاستملاك الأيديولوجي للرسالة الدينية .
ترى أين تتجد الايدولوجيا الدينية في الإسلام عند أركون ؟ أركون ينفي ذلك بشدة لان الدين يتجاوز من كل الجهات ما نسميه بالايدولوجيا ضمن الخط الماركسي فهو يرى أن الدين ظاهرة تخترق التاريخ والمجتمعات والثقافات تتعداها ، فهو بتحديده اللساني والسيميائي يجيش الأسطورة والرمز والحكمة والمجاز وحكايات التأسيس عكس الايدولوجيا في الفكر الحديث فهي ليست إلا طموحات أو مزاعم تستخدم مفاهيم غامضة وغير محددة غبلالا ما يتم استنفادها وتفتقد مرجعياتها السيميائية والمعنوية فالإسلام ابن عن قوته خارج إطار إنتاج الإيديولوجيات طبقا للعلاقات والصراعات الطبقية بالمعنى الماركسي للكلمة .
أركون لايستثني بقية الديانات الأخرى فهو يسمي اليهودية والمسيحية والإسلام باديان الكتاب ، بالمعنى المثالي والمقدس للكلمة أي انهي تستند على نص شفوي في الأصل ولكنه أصبح فيما بعد نصا مكتوبا ليصبح مرجعا مطلقا علما أن أركون له موقف تاريخي من أن الدين بشكل عام كخطاب لم يبلور لكي نتحدث عنه بشكل علمي من اجل تجاوز نظرية أن الأديان ليست إلا مجرد ايديولوجيات ....
لكن أركون كان ذكيا في التمييز مثلا بين الإسلام والمسيحية فيما يخص أن الإسلام كدين يعتمد الكتاب أي القران كمرجع شامل عوض المسيحية التي تركز على شخصية المسيح الذي يرون انه يمثل الكلام الإلهي مجسدا ، لكنهم يضطرون إلى الرجوع إلى الأناجيل خلال ممارساتهم العملية رغم أنها لا تتوفر على نفس مكانة القران الكريم لأنها نقلت إلينا عبر أشخاص مختلفين ثم أنها ليست متماثلة .
يرى أركون أن القران والأناجيل يلتقيان في أنهما قد تعرضا لنفس عملية الاجتزاء والانتقاء والتركيبات والإسقاطات والاستنباطات من اجل الإجابة على مطالب المخيال الفردي والجماعي .
خطاب الايدولوجيا أو الارتدوكسية كما يسميها أركون في كتابه العقل الإسلامي حاضرة مابين تياري الشيعة والسنة مثلا ،فبعد وفاة الرسول الكريم لم تعد هناك أي سيادة أو سلطة وهي غالبا ما تحكمت فيها شروط سياسية واجتماعية وجغرافية.
أركون يستدل على الارثودكسية الدينية بنماذج مما يسميه مثلا بالتنوع الاثنولوجي ،فالصبغة الدينية لسكان الجبال في المغرب كانت سابقة عن الإسلام في المغرب والمرابطون هم من ادخلوا إليها الإسلام لكن مع ترسيخ العقائد المحلية السابقة على الإسلام عن طرق إصباغ الصفة الإسلامية عليها ،عكس السهول التي عرفت بسهولة كبيرة انتشار ما يسمى بالإسلام الشعبي المتمثل في الزوايا ،هذا الاستدلال الذي يمارسه أركون هو استدلال داخل مكون الإسلام السني ، لكنه قد يختلف أثناء الحديث عن الصراع التاريخي ما بين السنة والشيعة مثلا ، لكن أركون كان واعيا بأنهما ينتميان إلى ما يسميه بالنواة الصلبة للإسلام من خلال المرجعيات المشتركة بينهما والمتمثلة في الرسول الكريم والقران الكريم والتي لا خلاف بخصوصهما لكن الخلاف هو خلاف تيولوجي يتعلق بالذاكرة والتراث المختلفين والذي تحكمت فيه شروط جغرافية أيضا ،فالسنة يعتمدون البخاري مثلا والشيعة يعتمدون الكليني الذي سجل تراث ألائمة ألاثني عشر بالإضافة إلى وجود خلاف بخصوص تفسير النص فالسنة يستحضرون التفسير الحرفي والنحوي للقران في حين أن الشيعة يعتمدون التأويل الباطني .
لقد نجح محمد أركون في التأسيس لقراءة جديدة في تاريخ العقل الإسلامي من استنتاجاته الكبرى أن المجتمع هو الذي يولد التعبير الديني عبر منعطفات تاريخية و أوساط اجتماعية تكون فيها الظاهرة الدينية قوية جدا وهو ما يظهر من خلال حضورها اليومي في الخطاب الفكري والسياسي العالمي ، وهو ما سنعمل على رصده في كتاب سنصدره قريبا تحت عنوان: سيميائية خطاب الإسلام السياسي الدلالة والتداول.

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الاحد 21 أكتوبر 2018 - 12:12 حين نفشل في التحرّر

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير