HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة

التعليم في المغرب و مصيبة الاختيارات


البدالي صافي الدين
الخميس 12 فبراير 2026





عاد مشكل منظومة التعليم في المغرب هذه الأيام إلى الواجهة ،لأنها ظلت تعاني من أزمة بنيوية مزمنة تتجلى في ضعف جودة التعليم بشكل عام مصحوب بارتفاع معدلات الهدر المدرسي في وسط الأحياء الفقيرة و المهمشة و في الوسط القروي وعدم ملاءمة المناهج لسوق العمل، حتى المنظومة التعليمية تواجه تراجعاً في الثقة بالنسبة للتعليم العمومي، بينما يواجه التعليم الخصوصي أو الخاص تحديات تجارية، مما يزيد من الفوارق الاجتماعية.
وهنا يطرح السؤال :هل أزمة المنظومة التعليمية/ التربوية في المغرب هي أزمة اختيار أم أزمة إرادة سياسة ؟
إن الإجابة على السؤال المطروح تتطلب وضع المنظومة التعليمية / التربوية في سياقها السياسي والاجتماعي منذ قبل الاستقلال وبعده .
1 -:أبرز ملامح التعليم بعد الاستقلال وقلبه
غداة الاستقلال سنة 1956 و في خضم الوضع السياسي الذي كان آنذاك يعيشه المغرب من حيث القدرة على تدبير شؤونه الداخلية ، بعيدا عن الإرادة الفرنسية، وأيضاً من حيث وجود تجاذب بين المقاومة ومعها جيش التحرير "المتشبتون" باستكمال تحرير التراب الوطني شمالا و جنوبا و بين القصر وفرنسا حول القبول باستقلال "خديج " "Prématuré" . في خضم هذا الوضع شهد التعليم هو الآخر أزمة هوية، بين تعليم وضع أسسه وقواعده الاستعمار الفرنسي مع بداية عهد الحماية (مذكرة اليوطي( اكتوبر1912 ) التي تؤسس لتعليم طبقي ، و بين القومية العربية وتوحيد المدارس الخاصة كلبنة أولى أساسية لتعليم وطني مستقل . في هذا السياق تمت تسمية وزارة التعليم في بداية الاستقلال 1956 ب " وزارة المعارف الوطنية والتربية والشباب في فترات أولية ". في الحكومة المغربية الأولى التي ترأسها مبارك البكاي ، كانت حقيبة وزارة المعارف، التي أضيفت إليها الفنون الجميلة، من نصيب الاستقلالي محمد الفاسي الذي دخل التاريخ باعتباره أول وزير للتعليم في تاريخ المغرب، و كان من بين مهامه تعريب وتحديث منظومة التعليم.
2- البحث عن النمودج
في ظل الأزمة السياسية و الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب في المرحلة الانتقالية أصبحت أزمة التعليم أزمة اختيار النموذج المناسب و المنسجم مع طموحات الشعب المغربي من حيث الثوابت الوطنية والأهداف التعلمية/التعليمية، مما أدى إلى إنشاء اللجنة العليا لإصلاح التعليم في سنة 1957، عقب الاستقلال، كأول محاولة منظمة لإنشاء مدرسة وطنية حديثة،هدفها توحيد البرامج التعليمية (الفرنسية، الإسلامية، اليهودية، والحرّة) وتعميم التعليم، مع إقرار تعريب التعليم الابتدائي وهيكلته على مدى 5 سنوات، و6 سنوات للثانوي. ثم جاءت اللجنة الملكية لإصلاح التعليم بالمغرب عام 1958 من أجل إعادة هيكلة النظام التعليمي بعد الاستقلال، وأقرت هذه اللجنة بالمبادئ الأربعة ،أي ، التعميم، التوحيد،التعريب و مغربة الأطر ، وذلك من أجل ترسيخ الهوية الوطنية، رغم استمرار ازدواجية لغة التدريس. لكن القطاع ظل دائما يعيش أزمة الاختيار لتضارب التوجهات السياسية والمنطلقات المذهبية ،إذ تم الاستمرار بازدواجية لغة التدريس و التعليم الأصيل الذي يثبت التدريس باللغة العربية ثم التعليم الحر . و هنا سقطت المبادئ الأربعة لتحل محلها العشوائية في الاختيارات و التراجعات على مستوى التعميم والتوحيد و أصبح التعليم متأثرا بالمناخ السياسي الذي عرفه المغرب منذ بداية الستينات حيث اندلعت أحداث 23 مارس 1965 في المغرب، وهي انتفاضة شعبية وطلابية اندلعت بالدار البيضاء وامتدت لمدن أخرى (فاس، مراكش)، وكان سببها المباشر مذكرة لوزير التعليم يوسف بلعباس التعارجي (19 فبراير 1965) التي تحد من ولوج التلاميذ البالغين 16 سنة التعليم الثانوي، كانت هذه المذكرة سبب انتفاضة، في ظل احتقان اجتماعي، وتدهور اقتصادي، ومحاولة خنق المعارضة اليسارية آنذاك، مما أدى لتدخل عنيف للجيش بقيادة أوفقير . و هكذا استمر التعليم يعيش تقلبات تلو الأخرى حسب المناخ السياسي و مزاجية الوزير المكلف بالقطاع. مما جعل الوزير محمد بنهيمة يأتي ببرنامج أطلق عليه "مذهب بنهيمة"، doctrine de ben) hima ) الذي أطلقه عام 1966 يدعو إلى اتباع نهج عملي في التعليم، لا سيما من خلال ثنائية اللغة (العربية/الفرنسية)، التي اعتبرها "مذهب بنهيمة " ضرورية للتحديث و تبسيط التعليم الابتدائي في ظل محدودية الموارد، معارضًا بذلك دعاة التعريب الفوري والشامل.
3 - التعليم وغياب التصور البناء:
ظل التعليم يعيش تقلبات منهجية و بيداغوجيا بفعل توظيف مدرسين مؤقتين في التعليم الابتدائي لعدم توفير مدارس المعلمين للعدد الكافي من الأطر لهذا السلك، و بفعل انتداب معلمين مرسمين من الابتدائي للتدريس في الثانوي ، و أيضا لتغطية النقص الحاصل في الثانوي بالنسبة للمواد العلمية و الفرنسية،بسبب إغلاق المدرسة العليا للأساتذة بداية السبعينات، لجأت الدولة إلى التعاقد مع أجانب من أوروبا الشرقية و من فرنسا. و أصبح التلميذ المغربي يعيش أزمة اكتساب المعارف و المهارات في غياب الشروط المساعدة على ذلك ، لأن الدولة أصبحت تحل مشاكلها الاقتصادية على حساب جودة التعليم و على حساب تأهيله تأهيلا صحيحا على غرار الدول المتقدمة، فأخذت تقلص من البنايات المدرسية في العالمين الحضري و القروي و تتراجع عن قرار تعميم التعليم الذي أقره الظهير الشريف رقم 1.63.071 الصادر في 13 نونبر 1963 الذي ينص على "إلزامية التعليم الأساسي في المغرب لجميع الأطفال (ذكوراً وإناثاً) البالغين من العمر7 سنوات،" و اختارت التوجه نحو اقتصاد الريع و الاستثمار في القطاعين الفلاحي والصناعي والسياحي.هذا التوجه تسبب في تراكم المشاكل التعليمية بالتراجع عن تنفيذ برنامج البنايات المدرسية بالوسطين الحضري والقروي في إطار سياسة التعميم، و التراجع عن تكوين الأطر التعليمية للسلكين الابتدائي والثانوي مما أدى إلى الهدر المدرسي .
و أصبحت برامج التعليم الابتدائي و الثانوي تتغذى من التجارب الأجنبية و التي كانت كلها فاشلة و التي كلفت ميزانية الدولة الملايير من الدراهم دون نتائج مرضية، بدءا من التدريس بالأهداف إلى التدريس بالكفايات إلى بيداغوجيا الإدماج كمقاربة تربوية اعتمدها المغرب كجزء من «المقاربة بالكفايات» لربط التعلمات بحياة المتعلم الواقعية، إلى
البرنامج الاستعجالي للتعليم بالمغرب (2009-2012) ، كخطة إنقاذ تربوية تستهدف إصلاح المنظومة التعليمية عبر 23 مشروعاً هيكلياً، ركزت على تطوير التعليم الأولي، تعميم التمدرس الإلزامي، تأهيل المؤسسات، وتحسين جودة التعلمات، من أجل تجاوز اختلالات الميثاق الوطني للتربية والتكوين. وقد توقف هذا البرنامج في بداية الطريق بعد أن تم نهب 43 مليار درهم دون نتائج تذكر ، ثم جاء مشروع المدرسة الرائدة الذي يعتمد بشكل أساسي على مقاربات تربوية أبرزها التدريس وفق المستوى المناسب (TARL Teaching at the level ) ، والتي أثبتت نجاعتها في تحسين التعلمات خاصة في الهند.
يهدف هذا النموذج إلى تجويد التعليم العمومي من خلال بيداغوجيات حديثة، أي تجويد التعلمات الأساسية باستخدام التكنولوجيا الرقمية . و هو برنامج لا يأخذ بعين الاعتبار المحيط السوسيو /الثقافي للطفل المغربي ، لأنه ليس هنديا أو بلجيكيا، له قدرات وطموحات ومكاسب اجتماعية و ثقافية تختلف عن الطفل الهندي أو غيره في أوروبا أو في آسيا.
و عند الوقوف عند مشروع المدرسة الرائدة ،يلاحظ تراجع مستوى التلاميذ بشكل واضح ( كراسات بدون ألوان تفتقد إلى الجاذبية) وانهاك الأساتذة بكثرة الواجبات وتهميش العديد من المواد مما ينذر بعدم تكافؤ الفرص مع المؤسسات العمومية، هذا و يقتصر مشروع المدرسة الرائدة على تحسين مستوى التحكم في المعارف الأساسية، دون الأخذ بعين الاعتبار المكتسبات ، التي هي أصل تنمية المعارف و المهارات، والكفايات التي تعتبرها الرؤية الاستراتيجية أساسية، مثل الابتكار والإبداع الفني والتواصل المعرفي مع النصوص و مع الوضعيات الافتراضية ، والتفكير النقدي الذي هو أساس النمو العقلي و امتلاك أدوات التحليل و الاستدلال و الاستنتاج . وبالتالي تظل تجربة المدرسة الرائدة جزئية لا تهدف إلى أي تحول عميق من حيث النموذج المناسب و المنسجم مع المنظومة التعليمية/ التربوية الوطنية ، كما لا تساعد على إعادة هيكلة شاملة علمية للمناهج التعليمية عبر جميع المواد الدراسية و عبر المستويات التعليمية و الخروج من أزمة الاختيارات المظلمة للمسار التعليمي التربوي في المغرب.
البدالي صافي الدين
مفتش تربوي متقاعد

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الجمعة 23 يناير 2026 - 06:42 كأسك يا وطني أحب إلي من أية كأس

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير