HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة
تصفحوا العدد 347 من جريدة حقائق جهوية الورقية pdf





*الصحراء، إيران، الحرب.. مفارقة التراب والإنسان*


ذ. سعيد رحيم
الاحد 15 مارس 2026





أسالت حرب التحالف الإسرائيلي - الأمريكي على إيران الكثير من المداد. في المغرب أحدثت شرخا متفاوتا فيما يتعلق بمنع التظاهر في الشارع العام للتنديد بالحرب، على غرار التظاهرات والمسيرات والوقفات التضامنية التي نظمت في مدن مغربية ضد حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة، على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي بدعم غربي ورجعي في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023.

نظرا للخلط الذي وقع فيه منع التظاهر ضد الحرب من خلال إقحام قضية الصحراء في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، من جهة وما يترتب على هذه الحرب من تأثيرات على الوضع العام جهويا ودوليا، خاصة مضاعفاتها المباشرة على القدرة الشرائية لطبقات الاجتماعية عالميا والمغربية أساسا، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، من جهة أخرى، ارتأينا - بحكم متابعتنا المتواضعة للملفين - أن ندلي برأينا في الموضوع، بأقصى ما يمكن من الانسلاخ عن الذاتية، إزالة للالتباس ودرءا للمخاطر الممتدة لهذه الحرب المبرمجة سلفا.

نستطيع بداية، أن نقرّ بأن التدرع بعلاقة إيران، أو بأي جهة تساند، أو تدعم "البوليساريو" لأجل منع التظاهر ضد انتهاك القانون الدولي حيال دولة عضو في الأمم المتحدة، خصوصا في الشرق الأوسط حيث الحرب مشتعلة منذ السبت 28 فبراير 2026، لا تدل على شيء أكثر من الارتباك السياسي والدبلوماسي الذي رافق قضية الصحراء، منذ اندلاعها كإشكالية سياسية محلية.

ارتباك وتعصب طرفي النزاع الرئيسيين انضاف إليه - بمسؤوليات تراتبية - عجز الأحزاب السياسية التابعة للدولة أو المستقلة عنها - في مجموع المنطقة - عن الاجتهاد في التعامل مع الملف ذاته، باعتبارها قوى سياسية مدنية لها - ولو من الناحية النظرية - إمكانيات فتح قنوات الحوار الجدي تفاديا لتدويل القضية. فإما أن البعض من هذه المكونات السياسية الحزبية أرجأ أمر القضية إلى الدولة وإما أن البعض الآخر استمر في المراهنة على "معلبات" مفاهيم دولية حول "الاستقلال الذاتي" و"تقرير المصير" المتجمدة في الأمم المتحدة، خاصة بالنسبة لأكبر قضية إنسانية في العالم: القضية الفلسطينية.

في جميع الحالات بدا التذرع بعلاقة إيران بأطروحة الانفصال في الصحراء لمنع التظاهر السلمي ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية مجددا في الشرق الأوسط، غير ذي دلالة مقنعة أمام ما يمكن نعثه بالعجز السياسي المشترك تاريخيا بين طرفي النزاع، عن صدّ التدخلات الخارجية في الشؤون السيادية المتعلقة بالحدود وبالتراب وبالإنسان، أساسا. وكذلك غير ذي دلالة أمام غياب القدرة عن احتواء القضايا المصيرية للشعب وللبلاد، على حد سواء، عجز برره التفريط في فصيل من أبناء الشعب الواحد، أبناء من قبائل الصحراء، المنتمون أصلا وفصلا للمغرب، من جهة وعجز هؤلاء عن دمج قضية تحرير الإنسان بتحرير التراب الموحد، من جهة ثانية.

مناضلون ومناضلات من اليسار الوطني جرى إقصاؤهم وتهميش قدراتهم، كما وقع للعديد من الشباب الثائر من الجيل نفسه في مناطق أخرى من المغرب في سياق ما أطلق عليه آنذاك استكمال الاستقلال الوطني، سنوات بعد انسحاب الإدارة العسكرية الاستعمارية من المغرب. ما يقارب عقدين من الزمن قبل انتقال النظام الإيراني من الإمبراطورية الشاهنشاهية إلى نظام جمهوري إسلامي عام 1979، في حين كان قد مر على قضية الصحراء سنوات كافية لإخراجها إقليميا من عنق الزجاجية، قبل أن تغرق في التدويل وما سيترتب عنه، فيما بعد.

لا شيء مقدس في السياسة

سيَتبَيّن من هذه التوطئة - حيث لا شيء مقدس في السياسية – أن تدويل ملف الصحراء قد جاء على أنقاض عجز محلي وإقليمي وجهوي مشترك بين كافة الأطراف المتورطة فيه، عن إيجاد حل يحتضن القضية وتناقضاتها داخليا مثل بقية القضايا التي كانت عالقة آنذاك أو مازلت عالقة إلى اليوم.

من المهم في هذا السياق، الإشارة إلى بعض المنزلقات، التي واكبت العجز المشترك والتي زجت بقضية الصحراء في توتر سياسي ودبلوماسي جعلت النزاع حولها يتعدى الحدود المحلية ليتخذ أبعادا دولية ستفتح المجال لتدخلات خارجية من القارات الخمس.

تمثلت هذه المنزلقات، حسب تقديرنا ومتابعتنا للموضوع - في الصيغة الإعلامية الرسمية الخاصة باستكمال "التحرر الوطني" عموما والصحراء، تحديدا.

اعتمدت الصيغة الرسمية لكل طرف على حدا التمييز بين التراب والإنسان. إيثار تحرير التراب ووحدته على تحرير الإنسان ووحدته، أو العكس من الطرف المقابل. بينما المحور الأساس في القضية برمتها؛ تحرير الإنسان، ضامن تحرير التراب ووحدته الكاملة.

من حينها وعلى مدى نصف قرن من الزمن هيمنت الصيغة التمييزية تلك، بين الإنسان والتراب على معظم الفضاءات السياسية والاجتماعية، عن طريق الإعلام ومختلف وسائل التعبير ذات العلاقة. صيغة تغنت ب "استرجاع الأرض المغتصبة وليس وباسترجاع الإنسان المغتصب".تنافر مبدئي دفع بأطراف النزاع كل من جهته، إلى البحث عن حلفاء لتعزيز موقفه مما أقحم الملف في حلبة من المزايدات ومن الابتزاز وتصفية الحسابات قديمها وحديثها، بما في ذلك جهات ساندت هذا الطرف أو ذلك، كل حسب مصالحه وأهدافه ودون مراعاة للخصوصية الداخلية للقضية.

المفارقة القاتلة

تبين من خلال المفارقة التي أحدثها الخطأ الاستراتيجي من الطرفين؛ المتمثل أولهما في إيثار تحرير التراب على تحرير الإنسان وثانيهما في انعزال و"استقلال" الإنسان عن التراب الوطني، وكأن الأمر يتعلق بمزايدات بين مَنْ مِنَ المتنازعين "أكثر تطرفا في حل مشكلة داخلية"، لا يؤدي ثمنها سوى الشعب المغربي وحده من جهاته الأربع، ماديا وباقي الشعوب المغاربية معنويا وقُطريا، بفعل الإجهاض المتكرر لبناء تكتل جهوي ينفق على رخاء أبنائه بدل الإنفاق على التسلح، إرضاء لتدخلات دولية الكبرى تعرف كيف تستثمر في عجز المحليين عن تسوية قضاياهم الداخلية، المحلية.

من حينه صرنا أمام خطائين استراتيجيين متباعدين سيعمقان الجرح بين الشعب الواحد، مما أدى إلى تدخل مباشر للولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.. في ملف الصحراء. الدليل القاطع على فشل كل الأطراف المعنية مباشرة في المنطقة في حل مشكلة غدّتها معادلة إيثار التراب على الإنسان، من جهة وأوهام الاستقلال وتقرير المصير، من جهة ثانية، دون أن يكون لمشروع الحكم الذاتي أفق وحدوي واضح يسترجع الإنسان أولاً، بدل التركز على تراب لا يضمن حسن استغلاله وتنميته واقتسام ثرواته سوى الإنسان ذاته، وقد جرى إهماله في كلتا الحالتين بما في ذلك المنع من التعبير عن رفض حروب ليست في صالح الإنسان ذاته.


إن الخطأ الاستراتيجي الثاني، الذي تبنته جبهة "البوليساريو" وداعموها، كمشروع سياسي يقوم على مبدأ "قيام جمهورية في الصحراء"، لا يعدو أن يكون سوى مشروعا لقيام كيان تمييزي، عنصري في المنطقة، لا يتسع ولا يقبل سوى المنحدرين من القبائل الصحراوية، لا مكان فيه للتعايش على قدم المساواة بين الصحراوي والأمازيغي والدكالي والجبلي والريفي والوجدي والشياظمي والفيكيكي.. ولا أي من باقي المكونات التي تتحرك أبا عن جد على هذه الخريطة الممزقة استعماريا. معناه حتى بصيغة الحكم الذاتي، تعريض المنطقة إلى المصير المجهول! في غياب استقلال وطني مبني على الإنسان.

غياب الإرادة السياسية لمعالجة هذه المفارقة ديمقراطيا بآفاق وطنية واسعة جعل أطراف النزاع في الصحراء تتحمل، كل من موقعها وبسبب سياستها المبنية على إيثار التراب على الإنسان – بما يخفيه التراب من ثروات رهان النزاع- تتحمل مسؤولية تدخل أمريكا وإسرائيل في المنطقة المغاربية ككل. ليس فقط في ملف الصحراء وحده بل في المنطقة برمتها، باعتباره ملفا استعماريا مؤجلا منذ زمن طويل. ما يضع علامة استفهام عريضة على مستقبل السيادة الوطنية على التراب والإنسان، على حد سواء.

خلْف هذا الوضع العاجز تُطرح أسئلة لا يمكن فصلها عما يجري من حروب في الشرق الأوسط، إذ من غير المستبعد أنها تتهيأ لإعطائها نفساً مدمراً في شمالي غرب إفريقيا، كما أشار إلى ذلك منظرو التوسع الأمريكي الإمبريالي في صيغة "الشرق الأوسط الجديد، أو الكبير"، من شرق باكستان إلى المحيط الأطلسي".

فحتى بعد موافقة مجلس الأمن على مشروع الحكم الذاتي، الذي تقدم به المغرب، أرضية للمفاوضات بين المتنازعين، فإن ذلك لا يلغي المشروع الأمريكي الذي لا يُستبعد أن تستخدم فيه وسائل لا تختلف عما يجري الآن في الشرق الأوسط والذي يستنكره الكثيرون في المغرب.

إنها اللحظة الممكنة لإخراج شعوب المنطقة من عنق الزجاجة بإعادة ملف الصحراء إلى مربعه الأول؛ الربط الجدلي بين تحرير الإنسان وتحرير التراب. يستدعي الأمر تضحيات، لكنها في جميع الحالات أفضل من دخول حرب غير متحكم فيها وفي أدواتها قد يضيع الخروج منها.

لذلك وجب في المنطقة المغاربية الوقوف ضد الحرب في المنطقة الشرق أوسطية.

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الثلاثاء 3 مارس 2026 - 14:02 اليوم العالمي للمرأة بطعم مر

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير