ينتمي المصطفى روض إلى جيل من الصحفيين المغاربة الذين ارتبطت مسيرتهم المهنية بالالتزام السياسي والنضال من أجل القضايا العادلة. بدأ تجربته في الصحافة المرتبطة بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قبل أن يلتحق بجريدة “أنوال”، التي كانت تصدرها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي تجربة جمعت بين العمل الصحفي والانخراط في معارك الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما تعاون، خلال مسيرته الطويلة، مع العديد من الصحف والمواقع الإعلامية المغربية والدولية، متنقلاً بين بلدان وقارات، حاملاً معه قلمه وقناعاته وشغفه الدائم بمتابعة تحولات العالم.
لكن الصحفي الذي اعتاد الترحال اختياراً، وجد نفسه هذه المرة أمام سفر فرضته الضرورة. فعندما تقطعت به السبل في بلاده، وأصبح يواجه أمراض تقدم العمر المزمنة دون أن يجد الرعاية الصحية التي يحتاج إليها، حزم حقيبته مجدداً، واختار التوجه إلى بلاد العم لولا، البرازيل، بحثاً عن علاج مجاني لم يستطع الحصول عليه في وطن قدم له الكثير، مناضلاً وإعلامياً ومدافعاً عن قضاياه الكبرى.
من مدينة بورتو أليغري، جنوب البرازيل، يكتب المصطفى روض هذه اليوميات التي تتجاوز في دلالاتها مجرد سرد تجربة شخصية مع المرض والعلاج. إنها شهادة إنسانية عن معنى الحق في الصحة، وعن الفارق بين مجتمع يجعل الرعاية الصحية خدمة عمومية متاحة، وواقع يجد فيه بعض من أفنوا أعمارهم في خدمة الصالح العام أنفسهم، عند الحاجة، مضطرين إلى البحث عن الأمان الصحي خارج حدود وطنهم.
بلغة بسيطة وحميمية، وبعين الصحفي التي لا تتوقف عن التقاط التفاصيل، يروي روض رحلته بين المراكز الصحية والمختبرات، ولقاءاته بالأطباء والممرضين، وما وجده من استقبال إنساني واهتمام بحالته الصحية. ولا تخلو يومياته من ملامح شخصيته التي لم يغيرها المرض ولا الغربة؛ فهو، حتى بين موعد طبي وآخر، يجد وقتاً لاحتساء قهوته البرازيلية، ومتابعة الانتخابات الأمريكية والتطورات السياسية في أمريكا اللاتينية، والتجول بين أروقة معرض للكتاب.
في هذه الشهادة، لا يكتب المصطفى روض عن المرض وحده، بل عن الكرامة أيضاً. ولا يقارن بين بلدين بقدر ما يضع القارئ أمام مفارقة مؤلمة: صحفي قضى حياته مدافعاً عن قضايا وطنه، ينتهي به المطاف باحثاً عن حقه في العلاج على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي. وبين مرارة الرحيل ودفء الاستقبال في بلد بعيد، تكتسب يومياته قيمة تتجاوز صاحبها، لتصبح شهادة على مصير جيل من الصحفيين والمناضلين الذين أعطوا الكثير، ولم يجد بعضهم، في خريف العمر، ما يكفي من الحماية الاجتماعية والاعتراف.
ننشر هذه اليوميات كما كتبها صاحبها من بورتو أليغري، وخص بها موقع “السؤال الآن”، بما تحمله من تفاصيل إنسانية وانطباعات شخصية، ومن أسئلة ضمنية عن معنى الوطن حين يصبح العلاج سبباً آخر من أسباب المنفى.
يوميات من “المنفى الصحي” في البرازيل
لم يكن تأخري لعدة أيام عن زيارة المركز الصحي مجرد تسويف عابر، بل كان أمراً فرضته رحلة البحث المضنية عن شقة أو “استوديو” يرفق بميزانيتي المتواضعة، قبل أن أفاجأ بأبواب المركز مغلقة ليومين متتاليين بسبب عطلة العيد.
إلى مقهى مجاور لارتشاف القهوة البرازيلية
بالأمس، ووسط هذه الدوامة، خرجت مبكراً من مقر إقامتي بحي “سيدادي باكشيا”، قاصداً المركز الصحي القريب. وعند مكتب الاستقبال، برمجت لي الموظفة لقاءً مع طبيب وطبيبة. أعدت على مسامعهما شرح الأسباب التي دفعتني إلى زيارة المركز، كما سبق أن شرحتها للطبيبة التي استقبلتني أول مرة، ووعدتني ببرمجة موعد مع أخصائي في جراحة الشرايين. واتفقنا على أن ألتقي بالطبيبة المكلفة بمتابعة علاجاتي العامة في تمام الساعة 13:40 من اليوم نفسه.
استثمرت الوقت المتبقي وتوجهت إلى أحد المقاهي المجاورة لأرتشف قهوتي البرازيلية المفضلة، وأتوغل بين صفحات الأخبار، متابعاً انطلاق الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، وتطورات المشهد السياسي في الأرجنتين والشيلي وكولومبيا. ومع اقتراب الموعد المحدد، عدت إلى المركز قبل عشر دقائق، حيث سُجل حضوري، ثم صعدت إلى الطابق الأول.
دقيقتان وتطل عليّ طبيبة شابة بابتسامة دافئة
لم تمض سوى دقيقتين حتى أطلت طبيبة شابة ترتسم على وجهها ابتسامة دافئة، ونادت باسمي بنبرة غنائية مبهجة: “مصطفى…”. أجبتها بابتسامة وارتياح: “أنا مصطفى”. رحبت بي ودعتني إلى مرافقتها إلى مكتبها. وكعادتي في مثل هذه اللقاءات، نبهتها منذ البداية إلى أنني أتحدث الإسبانية ولا أتقن البرتغالية، فتقبلت الأمر بتفهم كبير، وقالت بلطف: “كل شيء سيكون على ما يرام”.
بدأنا بمراجعة السجل الصحي الذي دوّن زميلاها تفاصيله في الصباح. وكان عليّ أن أشرح لها بدقة معاناتي القديمة مع داء الدوالي، الذي لا تسمح حالتي بعلاجه عن طريق التدخل الجراحي، وهي المعاناة التي رافقتني منذ سنة 1995، أيام عملي في صحيفة “أنوال”.
أوضحت لها، وهي تصغي بتركيز واهتمام، أن الخلل يكمن في الأوردة الداخلية المسؤولة عن إعادة الدم إلى القلب، وهي حالة سبق أن أكد لي أطباء في ولاية جورجيا الأمريكية ومدينة “لا سيرينا” بشمال الشيلي استحالة إجراء أي عملية جراحية لعلاجها، بخلاف الدوالي الخارجية التي تصيب الأوردة السطحية.
ووضعتها في صورة الآلام المتنوعة التي يسببها هذا الداء اللعين. وهي آلام كثيرة، منها الثقل الوريدي الذي أشعر معه بثقل شديد في الساقين عند نهاية النهار، وصعقات قوية تشبه الصدمات الكهربائية توقظني من النوم، وتجبرني أحياناً على الصراخ من شدة الألم، ثم مغادرة السرير والاندفاع نحو الصالون للمشي، أملاً في تهدئة تلك الصعقات. ويضاف إلى ذلك ألم في عمق العضلات، وحرارة شديدة في عمق الأوردة، وخدر في أطراف الساقين، وحكة وريدية مصحوبة بحرقة داخلية وتنميل متكرر…
52 مختبراً ومصحة رهن إشارتي لإجراء مختلف التحاليل
انتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن علاج الأسنان، بعدما سألتني الطبيبة عما إذا كنت أرغب في برمجة موعد للعلاج، ثم فتحنا ملف طنين الرأس المزعج الذي اقتحم حياتي بعد شهرين من العملية الجراحية التي أجريتها على البروستاتا، وهي الجراحة التي يعود الفضل في إجرائها إلى أصدقاء حميمين أنقذوني في لحظة حرجة من حياتي.
طمأنتها إلى أن جراحة القسطرة كانت ناجحة، وأن حالتي مستقرة ولا تتطلب سوى المراقبة، لكن الطنين هو ما أرهقني وحرمني لذة النوم. فقد بدأ بصوت يشبه خرير مياه البحر، قبل أن يتحول إلى نغمة، أو بالأحرى سمفونية متوحشة ومزعجة، يصعب وصفها.
أنهت الطبيبة “باولا” تدوين التفاصيل على الحاسوب، ثم خرجت وعادت حاملة ثلاث أوراق: الأولى لمراجعة طبيب أخصائي في طنين الأذن، وورقتان تتضمنان قائمة بـ52 مختبراً وعيادة خاصة لإجراء تحاليل الدم والبول والبراز، مع تنبيهي إلى ضرورة إجرائها صباحاً قبل تناول وجبة الفطور.
نبرة غنائية مرحة
قبل الوداع، تبادلنا أطراف الحديث، حيث عبّرت لي عن سعادتها ببدء تعلم بعض الكلمات الإسبانية مني، وعرّفتها بمهنتي ومحطات من حياتي بين الشيلي وإسبانيا. وكانت كلما استوعبت شرحاً بالإسبانية وفهمت معناه جيداً، تضحك وتختم كلامها بنبرة غنائية مرحة: “Listo!” (تمام).
وفي الختام، أكدت عليّ ضرورة العودة إليها فور تسلم نتائج التحاليل وزيارة أخصائي طنين الأذن، لمتابعة المسار العلاجي.
تحديت الأمطار الغزيرة بحثاً عن المختبر
اليوم، ورغم هطول الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف منذ الليلة الماضية، خرجت للبحث عن أحد المختبرات المحددة في القائمة، مستعيناً بمحرك البحث “غوغل”. اخترت مختبراً في وسط مدينة بورتو أليغري، وهو مكان أعرف أزقته جيداً ويسهل عليّ الوصول إليه.
كان المختبر حديثاً وفي غاية النظافة، ولحسن الحظ، كانت قاعة الانتظار شبه فارغة، باستثناء ثلاث نساء. استقبلني الموظف بترحاب واحترام، وبعد أن فحص وثائق إقامتي كمهاجر والموعد المحدد، سلمني أنبوبان لعينات من الفضلات والسوائل الحيوية طلب مني أن أحضرها في اليوم التالي.
طلب مني الموظف بعد ذلك الجلوس والانتظار. ولم تمض سوى دقيقة حتى سمعت ممرضة شابة تنادي باسمي بأسلوب غنائي رقيق: “مصطفى… مصطفى…”. أشرت إليها ورافقتها إلى غرفة التحاليل، حيث دلتني بلطف على المكان المخصص لوضع معطفي وقبعتي، ثم رفعت كم قميصي لتفحص أوردة ذراعي اليمنى، وتسحب أربع عينات من الدم بمنتهى الخفة والمهارة.
سلمتني الممرضة ورقة تحدد يوم 9 نونبر موعداً لتسلم نتائج التحاليل. شكرتها وشكرت الموظف، وغادرت المكان والسعادة تغمرني، سعيداً بجمال هذا التعامل الإنساني الراقي وروعة الرعاية الدافئة في هذا البلد، الذي يثبت في كل موقف قدرته على إعلاء القيم الاجتماعية والإنسانية.
ومباشرة بعد مغادرتي مختبر التحاليل، توجهت إلى معرض الكتاب الذي تنظمه وزارة الثقافة سنوياً في المركز التاريخي لمدينة بورتو أليغري. وهكذا اكتملت فرحتي بمتعة التجوال بين أروقة المعرض، حيث تعرض دور النشر البرازيلية كتباً مهمة باللغة البرتغالية، سأعود لاحقاً للتعريف ببعضها.
لكن الصحفي الذي اعتاد الترحال اختياراً، وجد نفسه هذه المرة أمام سفر فرضته الضرورة. فعندما تقطعت به السبل في بلاده، وأصبح يواجه أمراض تقدم العمر المزمنة دون أن يجد الرعاية الصحية التي يحتاج إليها، حزم حقيبته مجدداً، واختار التوجه إلى بلاد العم لولا، البرازيل، بحثاً عن علاج مجاني لم يستطع الحصول عليه في وطن قدم له الكثير، مناضلاً وإعلامياً ومدافعاً عن قضاياه الكبرى.
من مدينة بورتو أليغري، جنوب البرازيل، يكتب المصطفى روض هذه اليوميات التي تتجاوز في دلالاتها مجرد سرد تجربة شخصية مع المرض والعلاج. إنها شهادة إنسانية عن معنى الحق في الصحة، وعن الفارق بين مجتمع يجعل الرعاية الصحية خدمة عمومية متاحة، وواقع يجد فيه بعض من أفنوا أعمارهم في خدمة الصالح العام أنفسهم، عند الحاجة، مضطرين إلى البحث عن الأمان الصحي خارج حدود وطنهم.
بلغة بسيطة وحميمية، وبعين الصحفي التي لا تتوقف عن التقاط التفاصيل، يروي روض رحلته بين المراكز الصحية والمختبرات، ولقاءاته بالأطباء والممرضين، وما وجده من استقبال إنساني واهتمام بحالته الصحية. ولا تخلو يومياته من ملامح شخصيته التي لم يغيرها المرض ولا الغربة؛ فهو، حتى بين موعد طبي وآخر، يجد وقتاً لاحتساء قهوته البرازيلية، ومتابعة الانتخابات الأمريكية والتطورات السياسية في أمريكا اللاتينية، والتجول بين أروقة معرض للكتاب.
في هذه الشهادة، لا يكتب المصطفى روض عن المرض وحده، بل عن الكرامة أيضاً. ولا يقارن بين بلدين بقدر ما يضع القارئ أمام مفارقة مؤلمة: صحفي قضى حياته مدافعاً عن قضايا وطنه، ينتهي به المطاف باحثاً عن حقه في العلاج على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي. وبين مرارة الرحيل ودفء الاستقبال في بلد بعيد، تكتسب يومياته قيمة تتجاوز صاحبها، لتصبح شهادة على مصير جيل من الصحفيين والمناضلين الذين أعطوا الكثير، ولم يجد بعضهم، في خريف العمر، ما يكفي من الحماية الاجتماعية والاعتراف.
ننشر هذه اليوميات كما كتبها صاحبها من بورتو أليغري، وخص بها موقع “السؤال الآن”، بما تحمله من تفاصيل إنسانية وانطباعات شخصية، ومن أسئلة ضمنية عن معنى الوطن حين يصبح العلاج سبباً آخر من أسباب المنفى.
يوميات من “المنفى الصحي” في البرازيل
لم يكن تأخري لعدة أيام عن زيارة المركز الصحي مجرد تسويف عابر، بل كان أمراً فرضته رحلة البحث المضنية عن شقة أو “استوديو” يرفق بميزانيتي المتواضعة، قبل أن أفاجأ بأبواب المركز مغلقة ليومين متتاليين بسبب عطلة العيد.
إلى مقهى مجاور لارتشاف القهوة البرازيلية
بالأمس، ووسط هذه الدوامة، خرجت مبكراً من مقر إقامتي بحي “سيدادي باكشيا”، قاصداً المركز الصحي القريب. وعند مكتب الاستقبال، برمجت لي الموظفة لقاءً مع طبيب وطبيبة. أعدت على مسامعهما شرح الأسباب التي دفعتني إلى زيارة المركز، كما سبق أن شرحتها للطبيبة التي استقبلتني أول مرة، ووعدتني ببرمجة موعد مع أخصائي في جراحة الشرايين. واتفقنا على أن ألتقي بالطبيبة المكلفة بمتابعة علاجاتي العامة في تمام الساعة 13:40 من اليوم نفسه.
استثمرت الوقت المتبقي وتوجهت إلى أحد المقاهي المجاورة لأرتشف قهوتي البرازيلية المفضلة، وأتوغل بين صفحات الأخبار، متابعاً انطلاق الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، وتطورات المشهد السياسي في الأرجنتين والشيلي وكولومبيا. ومع اقتراب الموعد المحدد، عدت إلى المركز قبل عشر دقائق، حيث سُجل حضوري، ثم صعدت إلى الطابق الأول.
دقيقتان وتطل عليّ طبيبة شابة بابتسامة دافئة
لم تمض سوى دقيقتين حتى أطلت طبيبة شابة ترتسم على وجهها ابتسامة دافئة، ونادت باسمي بنبرة غنائية مبهجة: “مصطفى…”. أجبتها بابتسامة وارتياح: “أنا مصطفى”. رحبت بي ودعتني إلى مرافقتها إلى مكتبها. وكعادتي في مثل هذه اللقاءات، نبهتها منذ البداية إلى أنني أتحدث الإسبانية ولا أتقن البرتغالية، فتقبلت الأمر بتفهم كبير، وقالت بلطف: “كل شيء سيكون على ما يرام”.
بدأنا بمراجعة السجل الصحي الذي دوّن زميلاها تفاصيله في الصباح. وكان عليّ أن أشرح لها بدقة معاناتي القديمة مع داء الدوالي، الذي لا تسمح حالتي بعلاجه عن طريق التدخل الجراحي، وهي المعاناة التي رافقتني منذ سنة 1995، أيام عملي في صحيفة “أنوال”.
أوضحت لها، وهي تصغي بتركيز واهتمام، أن الخلل يكمن في الأوردة الداخلية المسؤولة عن إعادة الدم إلى القلب، وهي حالة سبق أن أكد لي أطباء في ولاية جورجيا الأمريكية ومدينة “لا سيرينا” بشمال الشيلي استحالة إجراء أي عملية جراحية لعلاجها، بخلاف الدوالي الخارجية التي تصيب الأوردة السطحية.
ووضعتها في صورة الآلام المتنوعة التي يسببها هذا الداء اللعين. وهي آلام كثيرة، منها الثقل الوريدي الذي أشعر معه بثقل شديد في الساقين عند نهاية النهار، وصعقات قوية تشبه الصدمات الكهربائية توقظني من النوم، وتجبرني أحياناً على الصراخ من شدة الألم، ثم مغادرة السرير والاندفاع نحو الصالون للمشي، أملاً في تهدئة تلك الصعقات. ويضاف إلى ذلك ألم في عمق العضلات، وحرارة شديدة في عمق الأوردة، وخدر في أطراف الساقين، وحكة وريدية مصحوبة بحرقة داخلية وتنميل متكرر…
52 مختبراً ومصحة رهن إشارتي لإجراء مختلف التحاليل
انتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن علاج الأسنان، بعدما سألتني الطبيبة عما إذا كنت أرغب في برمجة موعد للعلاج، ثم فتحنا ملف طنين الرأس المزعج الذي اقتحم حياتي بعد شهرين من العملية الجراحية التي أجريتها على البروستاتا، وهي الجراحة التي يعود الفضل في إجرائها إلى أصدقاء حميمين أنقذوني في لحظة حرجة من حياتي.
طمأنتها إلى أن جراحة القسطرة كانت ناجحة، وأن حالتي مستقرة ولا تتطلب سوى المراقبة، لكن الطنين هو ما أرهقني وحرمني لذة النوم. فقد بدأ بصوت يشبه خرير مياه البحر، قبل أن يتحول إلى نغمة، أو بالأحرى سمفونية متوحشة ومزعجة، يصعب وصفها.
أنهت الطبيبة “باولا” تدوين التفاصيل على الحاسوب، ثم خرجت وعادت حاملة ثلاث أوراق: الأولى لمراجعة طبيب أخصائي في طنين الأذن، وورقتان تتضمنان قائمة بـ52 مختبراً وعيادة خاصة لإجراء تحاليل الدم والبول والبراز، مع تنبيهي إلى ضرورة إجرائها صباحاً قبل تناول وجبة الفطور.
نبرة غنائية مرحة
قبل الوداع، تبادلنا أطراف الحديث، حيث عبّرت لي عن سعادتها ببدء تعلم بعض الكلمات الإسبانية مني، وعرّفتها بمهنتي ومحطات من حياتي بين الشيلي وإسبانيا. وكانت كلما استوعبت شرحاً بالإسبانية وفهمت معناه جيداً، تضحك وتختم كلامها بنبرة غنائية مرحة: “Listo!” (تمام).
وفي الختام، أكدت عليّ ضرورة العودة إليها فور تسلم نتائج التحاليل وزيارة أخصائي طنين الأذن، لمتابعة المسار العلاجي.
تحديت الأمطار الغزيرة بحثاً عن المختبر
اليوم، ورغم هطول الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف منذ الليلة الماضية، خرجت للبحث عن أحد المختبرات المحددة في القائمة، مستعيناً بمحرك البحث “غوغل”. اخترت مختبراً في وسط مدينة بورتو أليغري، وهو مكان أعرف أزقته جيداً ويسهل عليّ الوصول إليه.
كان المختبر حديثاً وفي غاية النظافة، ولحسن الحظ، كانت قاعة الانتظار شبه فارغة، باستثناء ثلاث نساء. استقبلني الموظف بترحاب واحترام، وبعد أن فحص وثائق إقامتي كمهاجر والموعد المحدد، سلمني أنبوبان لعينات من الفضلات والسوائل الحيوية طلب مني أن أحضرها في اليوم التالي.
طلب مني الموظف بعد ذلك الجلوس والانتظار. ولم تمض سوى دقيقة حتى سمعت ممرضة شابة تنادي باسمي بأسلوب غنائي رقيق: “مصطفى… مصطفى…”. أشرت إليها ورافقتها إلى غرفة التحاليل، حيث دلتني بلطف على المكان المخصص لوضع معطفي وقبعتي، ثم رفعت كم قميصي لتفحص أوردة ذراعي اليمنى، وتسحب أربع عينات من الدم بمنتهى الخفة والمهارة.
سلمتني الممرضة ورقة تحدد يوم 9 نونبر موعداً لتسلم نتائج التحاليل. شكرتها وشكرت الموظف، وغادرت المكان والسعادة تغمرني، سعيداً بجمال هذا التعامل الإنساني الراقي وروعة الرعاية الدافئة في هذا البلد، الذي يثبت في كل موقف قدرته على إعلاء القيم الاجتماعية والإنسانية.
ومباشرة بعد مغادرتي مختبر التحاليل، توجهت إلى معرض الكتاب الذي تنظمه وزارة الثقافة سنوياً في المركز التاريخي لمدينة بورتو أليغري. وهكذا اكتملت فرحتي بمتعة التجوال بين أروقة المعرض، حيث تعرض دور النشر البرازيلية كتباً مهمة باللغة البرتغالية، سأعود لاحقاً للتعريف ببعضها.










