HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة








العصبية البيضاء الشكل المعاصر للإمبريالية


- محمد الحجام
الخميس 14 فبراير 2019




العصبية البيضاء الشكل المعاصر للإمبريالية


قبل تفجر قضية كاركاس، كانت روسيا قد دخلت إلى الشرق الأوسط من الباب العريض بفعل الأزمة السورية، وتتبعها الصين، بينما اتخذ دونالد ترامب قراراً بسحب قواته من سوريا، يراه قسم وازن من المحللين مؤشراً إلى بداية انسحاب أميركي من المنطقة، أو على الأقل تراجع نفوذ الولايات المتحدة فيها. الصين لاعب اقتصادي أساسي في أفريقيا منذ فترة غير قصيرة، تليها روسيا التي شرعت في تطوير تعاونها العسكري والسياسي مع عدد من دولها. فنزويلا كانت مبادِرة إلى فتح أبواب التعاون الاقتصادي والعسكري ــــ الاستراتيجي مع القوتين الآسيويتين، وروسيا أخذت بخيار الانتماء إلى آسيا بعد فترة طويلة من العمل على الدخول إلى النادي الغربي، وإذا أضفنا نجاح سوريا ونجات العراق وتعاظم إيران وتمتين محور المقاومة، تصبح تحولات العالم تصيب القطاع الأوسع من نخب الغرب وإسرائيل والرجعيات المرتبطة بهم، وشطراً لا يُستهان به من مجتمعاتهم بهلع شديد. من هنا، الانقياد الأعمى خلف ترامب ضد فنزويلا والصين وروسيا، ومن هنا أيضاً نمو العصبية البيضاء، الشكل المعاصر للفاشية الغربية.


لقد أصبح أمام العالم أجمع، من الصعب بل المستحيل تبرير وتغطية التدخل الأميركي المباشر في صيرورة الأزمة الحالية وفي هندستها، هذا التدخل الذي أكدته الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، حيث أصبحت معركة فنزويلا دولية بامتياز، لأنها فاضحة ومعرية للاستقطاب الدولي المتعاظم بين قوى الهيمنة الغربية الهرمة المؤيدة للمحاولة الانقلابية، والقوى غير الغربية الصاعدة المدافعة عن الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو، وعن عالم تسوده علاقات ندّية بين مكوناته، بعد أكثر من خمسة قرون من سياسات العدوان والاحتلال والإبادة والاستعباد والنهب والاستغلال التي اعتمدها الغرب حيال شعوب وبلدان الجنوب. وهي دولية أيضاً لأن تداعياتها حاسمة في عملية التحولات في موازين القوى العالمية، التي ستتولد بسببها.


رغم انتقاد أوروبا لسوء معاملة ترامب لها، لكنها تصطف خلفه عندما يتعلق الأمر بتدمير ونهب دولة وطنية في جنوب العالم، تمتلك ثروة نفطية كفنزويلا، ولو تعلق الأمر بالحصول على جزء من فتات النهب الإمبريالي لها. فالدول الغربية الهرمة جميعها تشهد بالعين المجردة سرعة ضمور هيمنتها ونفوذها، لحساب اللاعبين الجدد من خارج أوروبا، الذين أصبحوا ينافسونها على الصعيد العالمي على الأسواق والموارد والمواقع الاستراتيجية.


تفسر الطبقة السياسية المتحكمة في القرار الغربي دعمها لرئيس البرلمان الفنزويلي الانقلابي خوان غوايدو، على رغم الخلافات المتزايدة بين طرفَيه الأميركي والأوروبي؟ اعتقد البعض أن مواقف ترامب تجاه حلفائه الأوروبيين، وتهديده إياهم بحرمانهم من الحماية الأميركية عبر الانسحاب من حلف الـ«ناتو»، سيدفعهم إلى تغيير مقارباتهم للشؤون الدولية، والعزوف ــــ ولو تدريجياً ــــ عن الانسياق خلف الولايات المتحدة. لكن الأزمة الفنزويلية تظهر خطأ هذا الاعتقاد، لأن أبرز القادة الأوروبيين، بمن فيهم من يوجّه نقداً حاداً لواشنطن، ضمّوا أصواتهم إلى صوت الزعيم الأميركي، في مسعى لنزع الشرعية عن الرئيس مادورو، وتأمين الغطاء السياسي للمحاولة الانقلابية، وبما أن هؤلاء يختلفون حول الحماية الجمركية و البيئة والتجارة، وحول السبيل الأمثل لاحتواء إيران مع أو دون الاتفاق النووي، لكنهم يتحوّلون إلى قطيع من الذئاب الكاسرة إذا سنحت الفرصة لإسقاط نظام وطني في بلد من بلدان الجنوب، وعودة سيطرتهم عليه. هذا ما فعلوه في ليبيا، على رغم التنازلات المفرطة التي قدّمها معمر القذافي لهم، والتي وصلت ما يشبه الاستسلام، وما حاولوا فعله في سوريا،مثلا تغيير المساعٍي الفرنسية الكاذبة للتقارب في البداية إلى حرب مفتوحة، وهو ما تم التعبير عنه في حالة كركاس بالخبر الذي نُشر على موقع أسبوعية «باري ماتش»، الذي يفيد بأن سقوط مادورو «سيكون خبراً مفرحاً لشركة توتال».


ومع ذلك لازالت القوى الغربية المتحكمة في القرار تنكر كل هذا وكل ما وقع في ليبيا التي تعرضت لحملة تدمير شاملة من قِبَل حلف الـ«ناتو»، وفي سوريا التي استُهدفت بحرب إقليمية ــــ دولية باتت إسرائيل شريكاً رسمياً فيها منذ سنوات حتى أيام الإعداد لغزو العراق عام 2003 تحت مزاعم محاربة الديكتاتوريات باعتبارها مهددة للاستقرار ومصدرا للحروب ! على أساس أن القوات الغازية لم تكن تستهدف محو العراق العربي عن الخريطة، وتحويله إلى فدرالية طوائف وإثنيات .


أطاحت أمريكا بالرئيس التشيلي سيلفادور أليندي، لأنه أراد استعادة السيطرة على الموارد الوطنية من الشركات الأميركية وضمان حياة كريمة للشعب، قتلوا أليندي صاحب نظرية التحول السلمي نحو الاشتراكية، بسبب برنامجه الإصلاحي المتواضع، لا نزال اليوم أمام المنطق نفسه، مع اختلاف جوهري، وهو تخلّي قيادة الغرب الإمبريالي أي أمريكا عن مزاعم نشر الديموقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، والعمل العنصري القاضي بالتفوق للعرق الأبيض وشرعية سيطرته على خيرات وجغرافيا وحقوق الأعراق الملونة الأصلية، حيث وصلت عدوى العصبية البيضاء من الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا إلى دول في الجنوب، تضمّ بين سكانها أقليات بيضاء من أصول أوروبية، كالبرازيل وفنزويلا والأرجنتين وتشيلي.


وسكان هذه الدول الجنوبية هي نفسها الجماهير التي شكلت القاعدة الاجتماعية والانتخابية التي صوتت لمصلحة «حزب العمال» في البرازيل، وهوغو تشافيز في فنزويلا، وإيفو موراليس في بوليفيا، وغيرهم من قوى اليسار التي سعت إلى وضع سياسات إصلاح اقتصادي ــــ اجتماعي شديد الاعتدال موضع التنفيذ.


لم تكن هذه القوى في صدد إدخال تعديلات جذرية على نظام الملكية الخاص في هذه البلدان، ولا على الطبيعة الديموقراطية لأنظمتها السياسية، كما فعلت الأحزاب الشيوعية بعد تسلّمها السلطة من خلال مسار ثوري في روسيا والصين وفييتنام وكوبا. جلّ ما طمحت إليه هو الحد من الفوارق الطبقية الهائلة عن طريق إصلاحات اقتصادية تتيح قدراً من إعادة توزيع الثروة، يخرج عامة الشعب من الفقر المدقع، ويؤمّن له الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وفي هذا السياق أكد الكاتب اللبناني وليد شرارة، أكثر من هذا، بل وصول العدوى العصبية البيضاء من الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا إلى دول في الجنوب، تضمّ بين سكانها أقليات بيضاء من أصول أوروبية، كالبرازيل وفنزويلا والأرجنتين وتشيلي. في هذه البلدان، يتطابق الانقسام الاجتماعي ــــ الطبقي والسياسي ــــ إلى حد كبير ــــ مع الانقسام العرقي. أحفاد المستوطنين الأوروبيين، الذين استولوا على البلاد واحتكروا ثرواتها وحكموها منذ تأسيسها ويسمون العائلات (Familias)، يقفون اليوم في مواجهة أغلبيات مفقرة ومتنوعة، تضم السكان الأصليين والمختلطين والمنحدرين من أصول أفريقية، وأن الإمبراطورية المنحدرة تظهر مجدداً شراستها المنقطعة النظير في ما تعتبره حديقتها الخلفية، أي أميركا الوسطى واللاتينية، فتشرف على انقلاب مكشوف في البرازيل أزاح ديلما روسيف من السلطة، وتحاول إطاحة مادورو، وترعى صعود القوى الفاشية داخل هذه البلدان.

ليس سراً أن رفيق درب ترامب، ستيفن بانون، كان المدير الفعلي لحملة بولسونارو الانتخابية في البرازيل، وأنه يقوم بدور مباشر في مساعدة المعارضة الفنزويلية. المعركة الدائرة في فنزويلا، وقبلها في البرازيل، تلخص وتكثف الصراع المحتدم على الصعيد العالمي: أقليات بيضاء غربية مترفة ومتغطرسة، وغارقة في حنينها إلى عصر ملكت فيه البلاد ومَن فيها، تجهد لمنع الأغلبيات الملونة وغير الغربية من نيل حقوقها الأساسية كبشر، وتفعل ذلك أولاً بفضل دعم الولايات المتحدة. ليصبح شعار "الموت لأمريكا"!. عالمي اليوم، كما في الأمس.

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الاحد 28 يوليوز 2019 - 15:51 الملك محمد السادس...تحديات كبرى

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير