HakaikPress - حقائق بريس - جريدة الكترونية مستقلة








«صعود وهبوط الحضارات».. في شارع ولْد عْمير بالرباط

الفتيات المترنحات بأنوثتهن في شوارع «أكدال» لسن مثل باقي فتيات المدينة


عبد الله الدامون
الاحد 31 يوليوز 2011




عندما تجول مساء سبت دافئ في الشوارع الرئيسية لحي «أكدال» بالرباط تعتقد أن هناك مشكلة حقيقية تتمثل في وجود نوافذ غرف نوم بلا شبابيك، وأن ذلك يتسبب في سقوط فتيات نائمات مباشرة من أفرشتهن نحو الشارع.

لكن القضية ليست كذلك بالمرة، فهؤلاء الفتيات اللواتي يرمين على أجسادهن ما خف وزنه وغلا ثمنه، لم يسقطن من نوافذ غرف النوم، بل خرجن بذلك الشكل مع سبق الإصرار والترصد.. الإصرار على الإغواء وترصد أول من تحْولّ عيناه لمجرد أن يرى قطع لحم مكتنزة خلف أثواب لا تقي بردا ولا تمنع صهدا.

منطقة أكدال توجد في مدينة الرباط، لكنها لا تشبه باقي مناطق الرباط. إنها مدينة وسط مدينة. ليست منطقة راقية جدا ولا متواضعة جدا، لكن شهرتها مختلفة، وهي أنها منطقة أعيد بناؤها من أجل تلك الطبقة المتوسطة المغرمة بنفسها، الطبقة النرجسية التي تبحث عن فضاءات مختلفة تدفن فيها عقدها النفسية والحضارية واللغوية والاجتماعية، الطبقة التي ترفض الاختلاط بالآخرين، رغم أن الآخرين قد يفوقونها غنى وثقافة وثقة في النفس.

أغلب الناس في أكدال لا يرضون لأنفسهم هذه الشهرة، وكثيرون منهم سكنوا هناك بالصدفة، أو بحثا عن هدوء أكثر أو بشكل عابر ما دامت المنطقة بها كثير من الشقق المفروشة المعدة لأكثر من هدف.

شهرة أكدال أيضا بمطاعمها الفاخرة، وأيضا بمتاجرها الباذخة في كل شيء، في الملابس والعطور والجوارب وقمصان النوم الحمراء والزرقاء. ويبدو غريبا هذا التناسق في الشهرة، أي بين منطقة معروفة باحتضانها شقق «العلاقات الراقية»، وبين تلك المتاجر التي تتنافس في عرض أبهى «وسائل النوم» المريح.

الفتيات المترنحات بأنوثتهن في شارع فال ولد عمير لسن مثل باقي فتيات الرباط. أكيد أنهن لسن الأجمل، لكنهن الأكثر تبخترا، والأكثر جرأة، والأكثر احترافا في ترصد العيون التي ترصدهن. في هذا الشارع أو في الشوارع المجاورة لا توجد فتيات من دوار الحاجة والمعاضيد أو من باقي أحياء البؤس في الرباط، هنا فقط ذوات الصدور الشبعانة التي تسر الناظرين. في هذا المكان فتيات لا يعانين من أي فقر، وطالبات يردن تذوق حياة مختلفة عن حياة البؤس الجامعي، وأخريات يردن المغامرة.

في المكان أيضا تبختر من نوع خاص لأولئك الشباب الذين يحسون بأنهم لا يشبهون أولاد يعقوب المنصور والمحيط وبابْ الحدّ والكْزا واليوسفية. شباب أكدال يرددون في كل يوم وكل دقيقة «كان أبي»، ويمتطون سيارات أو دراجات نارية فارهة ويدورون بها في نفس المكان. يرتدون أيضا ملابس شبابية لا تكبر أبدا... مثلهم تماما.

الناس الذين يجلسون على أرصفة المقاهي لا نوايا سلمية لهم على الإطلاق. إنهم بالكاد يرتشفون قهوتهم أو شايهم، بينما عيونهم تمارس سباق المسافات القصيرة في كل الاتجاهات. ربما لم يسبق لأحدهم أن قرأ كتاب «مقدمة ابن خلدون» حول صعود وانهيار الحضارات، لكنهم بالتأكيد ترصدوا كل مؤخرات شارع فال ولد عمير صعودا وهبوطا.

في رصيف أحد المقاهي كان زبائن من نوع آخر. إنهم إخوتنا المشارقة الذين نحبهم إلى درجة القرف. هؤلاء يجلسون على أرصفة المقاهي وكأنهم أطفال في أول يوم لهم في الحضانة. يلتزمون حرفيا بقواعد النظرة الأولى لك، والثانية عليك، وفي الثالثة يكونون في حاجة إلى دشّ بارد.. بارد جدا.

في رصيف مقهى كان رجل من هؤلاء يجلس رفقة طفله. عن بعد كانت امرأة، مثل قطعة عاج مقدود، تتقدم بسرعة. وقف الرجل فجأة وتقدم نحو الرصيف ثم لحق به طفله الذي لم يفهم انتفاضة الوالد المفاجئة. تقدمت المرأة أكثر ومرت قرب الرجل مثل ريح دون أن تنتبه إلى وجوده. كانت تلقي صدرها أمامها كما لو أنها تفتح به الطريق. دار شقيقنا العربي حولها وحول نفسه، ثم التقت عيناه الحائرتان بعيني طفله الأكثر حيرة.
ما هذا أيها الأخ العربي؟ لماذا درت حول نفسك بتلك الطريقة الغريبة وكأنك صفر تائه؟ ثم ماذا لو سألك طفلك لماذا يدور العرب كثيرا حول أنفسهم؟ هل ستقول له مرة أخرى إن ذلك بسبب المؤامرات الغربية والصهيونية؟

عن "المساء"

         Partager Partager

تعليق جديد
Twitter

شروط نشر التعليقات بموقع حقائق بريس : مرفوض كليا الإساءة للكاتب أو الصحافي أو للأشخاص أو المؤسسات أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم وكل ما يدخل في سياقها

مقالات ذات صلة
< >

الجمعة 25 يناير 2013 - 16:42 «غوغل» يكشف «تجسّس» الحكومات

الثلاثاء 9 أكتوبر 2012 - 23:02 القروش ترى العالم بالأبيض والأسود

أخبار | رياضة | ثقافة | حوارات | تحقيقات | آراء | خدمات | افتتاحية | فيديو | اقتصاد | منوعات | الفضاء المفتوح | بيانات | الإدارة و التحرير